أي : تسْقِي ندى ريقتها المِسْوَاك فـ " المِسْوَالك " مفْعُول به نَاصبة " تَسْقِي " فصل به بين " نَدَى " وبين " ريقتهَا "، وإذ قد عَرَفْت هذا، فاعْلَم أنَّ قِرَاءة ابن عَامِر صحيحَة ؛ من حيث اللُّغَةِ كما هي صَحيحة من حَيْث النَّقْل، ولا التِفَات إلى قَوْل من قال : إنه اعْتَمَد في ذلك على رسْم مُصْحَفِ الشَّام الذي أرْسَلَه عُثْمَان بن عفَّان - رضي الله عنه - : لأنه لم يُوجَد فيه إلا كَتَابة " شُرَكَائِهِم " بالياء وهذا وإن كافياً في الدَّلالة على جَرِّ " شُرَكائِهِم "، فليس فيه ما يَدُلُّ على نَصْب " أوْلادَهُم " ؛ إذا المصْحَفُ مُهْمَلٌ من شكْل ونقط، فلم يَبْقَ له حُجَّة في نَصْب الأولاد إلاَّ النَّقْل المحض.
وقد نقد عن ابن عامرٍ ؛ أنه قرأ بِجَرِّ " الأوْلاد " كما سيأتي بَيَانَهُ وتَخْريجُه، وأيضاً فليس رسْمها " شُرَكَائِهم " بالياء مخْتَصاً بمصْحَف الشَّامِ، بل هي كذلك أيضاً في مُصْحَف أهْل الحِجَاز.
قال أبو البرهسم :" فِي سُورة الأنْعَام في إمَام أهْل الشَّم وأهْل الحجاز :" أوْلادَهُم شُرَكَائِهِم " بالياء، وفي إمان أهل العراق " شُرَكَاؤهُم " ولم يَقْرَأ أهل الحجاز بالخفضِ في " شُرَكَائِهِم " لأن الرَّسءم سُنَّةُ مُتَّبعة قد تُوافِقُهَا التِّلاوة وقَدء لا تُوَافِقُ ".
إلاَّ أن الشيخ أبا شَامَةَ قال :" ولم تُرْسم كذلك إلا باعتبار قراءَتَيْن : فالمضموم عليه قِراءة معْظم القُرَّاء " ثم قال :" وأمَّا " شُركَائهم " بالخَفْضِ ؛ فيحتلم قراءة ابن عمر " قال شهاب الدين : وسيأتي كلام أبِي شَامَ' هذا بتَمَامة في موْضِعه، وإما أخَذْتُ منه [بقَدر] الحَاجَة هُنَا.
فقوله :" إن كُلَّ قراءة تَابِعَة لرسءم مُصْحَفِها " تُشْكِلُ بما ذكرنا لك من أنَّ مصحَفَ الحِجَازيِّين بالياءِ، [مع أنَّهُم لم يَقْرءُوا بذلِك].
وقد نقل أبُو عَمْرو والدَّانيِ أن :" شُرَكَائِهِم " بالياء]، إنَّما هو في مُصْحف الشَّامِ دون مَصَاحِف الأمْصَار ؛ فقال :" في مَصَحِف أهْل الشَّامِ " أوْلادَهُم شُركَائِهم " بالياء، وفي سائر المصاحف شُركَاؤُهُم بالواوِ ".
٤٥٤
قال شهاب الدين : هذا هو المَشْهُور عند النَّاس، أعني اختصاص الياءِ بمصاحفِ الشَّام، ولكن أبُو البرهسم ثِقَة أْيضاً، فنَقْبَل ما ينقله.
وقد تقدَّم قول الزَّمَخْشَري : و " الَذي حَمَلَه على ذِلَك أنْ رَألا في بعض المَصاحِف " شُرَكَائِهِم " مكتوباً بالياء ".
وقال الشَّيْخ [شهاب الدِّين] أبو شامة :" ولا بُعْد فيما اسْتَبْعَده أهل النَّحْو من جِهَة المَعْنَى ؛ وذلك أنه قَدْ عُهِد المفعُول على الفاعل المَرْفُوع تقديراً، فإنَّ المَصْدر لو كان مُنَوّناً لجاز تَقْدِيم المفعُول على فاعله، نحو :" أعْجَبَنِي ضَرْب عَمْراً زَيْدٌ " فكذا في الإضَافَة، وقد ثبت جواز الفَصْل بين حَرْف الجرِّ ومجْرُوره مع شِدَّة الاتِّصال بَيْنَهُمَا أكْثَر من شِدَّته بني المُضَافِ والمُضافِ إليه ؛ كقوله - تعالى - :﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء : ١٥٥]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران : ١٥٩] فـ " مَا " زَائِده في اللَّفْظِ، فكأنه مؤخَّر لَفْظاً، ولا التِفَات إلى قَوْل من زَعَم أنه لم يَأتِ في الكلام المَنْثُور مثله ؛ لأنه نَافِ، ومن أسْنَد هذه القِراءة مُثْبِت، والإثْبات مُرَجَّح على النَّفْي بإجْمضاع، ولو نقل إلى هذا الزّاعِم عن بَعْضِ العرب أنه اسْتَعَمَلَهُ في النَّثْر، لرجع إلَيْه، فما بالُه لا يكْتَفِي بناقل القراءة من التَّابعين عن الصَّحابَةِ ؟ ثم الذي حَكَاه ابن الأنْبَاري يَعْني ممَّا تقدَّم حِكاتيه من قوله :" هو غُلامُ إن شاء اللَّه أخيك " فيه الفَصْل من غير الشِّعْر بجُمْلَة ".
وقرأ أبو عبد الرَّحْمن السلمي، والحسن البصري، وعبد الملك قَاضِي الجند صَاحِب أن عامِر :" زُيِّن " مبْنِياً للمفعُول، " قَتْلُ " رفعاً على ما تقدَّم، " أوْلادِهم " خفْضاً بالإضافة، " شُرَكَاؤهم " رفْعاً، وفي رفْعِه تخريجان : أحدهما - وهو تَخْريج سيبويه - : أنه مَرْفُوع بفعل مُقَدَّر، تقديره : زَيَّنَه شركَاؤهُم، [فهو جواب لِسُؤال] مقدر كأنَّه قيل : مَنْ زَيَّنة لَهُم ؟ فقيل :" شركَاؤُهُم " ؛ وهذا كقوله تعالى :﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رجَالٌ﴾ [النور : ٣٦] أي : يُسَبِّحُهُ.
وقال الآخر :[الطويل] ٢٣٥٤ - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ
.................
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٤
والثاني : خرجه قُطْرُب - أن يكُون " شُرَكَاؤهُم " رفعاً على الفاعليَّة بالمَصْدَر، والتقدير : زُيِّن للمشركِين أن قَتْلَ أوْلادهم شُركَاؤُهُم ؛ كما تَقُول :" حُبِّب لِي رُكوبُ الفرسِ زَيْدٌ " تقديره : حُبِّب لِي أنْ ركب الفَرَس زَيْد، والفرق بني التَّخْرِيجَيْن : أن التَّخريج
٤٥٥


الصفحة التالية
Icon