أحدها - وهو مذهب سيبويه - : أنه مَفْعُول من أجْلِه، أيك قالوا ما تقدَّم لأجْل الافْتِرَاء على البَاري - تبارك وتعالى - أي : يزْعُمُون أن الله أمِرهُم به افْتِرَاء عليه.
الثاني : مَصْدر على غير الصَّدْر ؛ لأن قَوْلَهُم المحْكي عنهم افْتِرَاءن فهو نَظير " قَعَد القُرْفُضَاء " وهو قول الزَّجَّاج.
الثالث : أنه مصدر عامله من لَفْظِه مُقَدَّر، أي : افْتَروا ذلك افْتِرَاء.
الرابع : أنه مَصْدَر في موضع الحالِ، أي : قالوا ذلك حَال افْتِرَائهم، وهي تُشْبِه الحال المؤكِّدة ؛ لأن هذا القَوْل المَخْصُوص لا يَكُون قَائِلُه إلا مُفْتَرِياً.
وقوله :" عَلَى اللَّه " يجوز تعلُّقه بـ " افْتِرَاءً " على القول الأوَّل والرَّابع، وعلى الثاني والثَّالث بـ " قالوا " لا بـ " افْتِرَاءً " ؛ لأن المصدر المؤكد لا يَعْمَل، ويجُوز ان يتعلَّق بمحذُوف صِفَة لـ " افْتِراءً " وهذا جَائِزٌ على كل الأقوالِ.
قوله :﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ والمقصود منه الوعيد، و " الباء " في قوله :" بِمَا " سببيّة، و " مَا " مَصْدَريَّة، أو موصُوفة، أو بمَعْنَى الَّذِي.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٥٨
هذا نوع رَابعٌ من قضَايَاهُم الفَاسِدَة.
قال ابن عبَّاس، وقتادة والشعبي : أراد أجنَّة البَحَائِر والسَّوائب، فما وُلِد منها حَيَّا، فهو خَالِصٌ للرِّجَال دون النِّساء، وما وُلِد منها مَيِّتاً، أكله الرِّجَال والنِّسَاء جميعاً.
والجمهور على " خَالِصَة " بالتَّأنيث مَرْفُوعاً على أنه خَبَرَ " مَا " الموصُولة، والتَّأنيث : إمَّا حَمْلاً على المَعْنَى ؛ لأن الذي في بُطُونِ الأنْعَام أنْعَامٌ، ثم حمل على لَفْظِها في قوله :" ومُحَرَّمٌ " وإمَّا لأنَّ التَّأنِيث للمُبالغة كهو في " عَلاَّمَة " و " نسَّابَة و " رَاوِيَة " و " الخاصَّة " و " العامَّة " وإما لأنَّ " خَالِصَة " مصْدَر على وَزْنَ " فَاعِلة " كالعَاقِبة والعَافِية ؛ وقال - تبارك وتعالى - :﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص : ٤٦] وهذا
٤٦١
القَوْل قول الفرَّاء والأوَّل لَهً ولأبِي إسْحاق الزَّجَّاج، والثاني للكسَائِي، وإذا قيل : إنها مَصْدرٌ كان ذلِك على حّذْف مُضَافِ، أي : ذُو خُلُوصٍ، أو على المُبَالَغَة، أو على وقُوعِ المصدر مَوْقِع اسْمِ الفاعلِ ؛ كَنَظَائِره كقول الشاعر : ٢٣٥٥ - وَكُنْتِ أمنِيَّتِي وَكُنْتِ خَالِصَتِي
وَلَيْس كلُّ امْرِىءٍ بِمُؤتَمَنِ
قال الكسائي : خَالِص وخَالِصَة واحد، مثل وَعْظ ومَوْعِظَة.
وهو مستفيض في لسانهم : فلان خَالِصَتي، أي : ذُوخُلُوصي.
و " لِذُكرونا " مُتعلِّق به، ويجوز أن يتعلَّق بممحذُوف على أنَّه وَصْف لـ " خَالِصَة "، وليس بالقَوِيّ.
وقرأ عبد الله وابن جُبَيْر، وأبُو العالية والضَّحَّاك، وابن أبي عَبْلَة :" خَالِصٌ " مَرْفُوعاً على ما تقدَّم من غير هَاءِ، و " لِذُكُورِنَا " متعلِّق به، أو بمَحْذُوف كما تقدَّم، وقرأ ابن جُبَيْر، نقله عنه ابن جنِّي :" خَالِصاً " نصباً من غير تَاءِ، ونصبه على الحَالِ وفي صاحبه وجهان : أظهرهما : أنه الضَّمَير المستتر في الصِّلة.
الثاني : أنه الضَّمِير المسْتَتِر في " لِذُكُورِنَا " فإن " لِذُكُورنَا " على هذه القراءة خَبَر المُبْتَدأ، وهذا إنَّما يَجُوز على مَذْهَب أبِي الحَسَن ؛ لأنه يُجِيزُ تَقْدِيم الحال على عَامِلهِا المَعْنَوِيّ، نحو :" زيْدٌ مستَقِرٌّ في الدَّارِ " والجمهور يَمْنَعُونَه، وقد تقدَّم تحقيقُهُ.
وقرأ ابن عباس أيْضَا والأعرج، وقتادة :" خَالِصَةً " نصابً بالتَّأنيث، والكلام في نصْبِه وتأنِيثِه كما تقدَّم في نَظِيره، وخرَّجه الزمخشري على أنه مَصْدَر مُؤكِّد كالعَاقِبَة.
وقرأ ابن عبَّاس أيضاً، وأبُو رَزِين، وعِكْرمة، وأبو حَيْوة :" خَالِصة " برَفْع " خالص " مُضَافَا إلى ضَمِير " مَاَ " ورفعُه على أحد وجهين : إما على البدل من الموصُول، بلد بَعْضَ من كُلِّ، وم " لِذُكُورِنَا " خبر المَوْصُول.
وإما على أنَّه مُبْتَدأ، و " لِذكُورنَا " خبره، والجُمْلة خبر الموصُول، وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّم أنه حَيْثَ قُلْنَا : إن " خَالِصة " مصدر أو هي للمُبَالغَة، فليس في الكلام حَمْل على مَعْنَى ثم على لَفْظ، وإن قلنا : إن التَّأنثِ ما فِي البُطُونِ، كان في الكلام الحَمْلُ على المَعْنَى أوَّلاً [ثم على اللَّفْظ في قوله :" مُحَرَّمٌ " ثانياً، و ليس لِذَلك في القُرْآن نَظِير، أعني : الحَمْل على المَعْنَى أوّلاً] ثم على اللَّفْظِ ثانياً، إلاَّ أن مَكِّياً زعم في غَيْر
٤٦٢


الصفحة التالية
Icon