الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام : ٩٩] فالآية المتقدمة ذكر فيها خَمْسة أنواع : وهي الزَّرع، والنخل، وجنَّات من أعْناب، والزيتون والرُّمَان، وذكر في هذه الآية الكريمة [هذه الخمسة وقال :] " مشتبهاً وغَيْر مُتَشَابِه " وهنا " مَتَشابِهاً وغير مُتَشَابه " وذكر في الآية المتقدمة :" انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذَا أثْمَر وينعهِ " وذكر في هذه الآية :" كُلُوا مِنْ ثَمَره إذا أثْمر وآتوا حقَّهُ يوم حَصَادِهِ " فأذن في الانتفاع بها، وأم بِصَرف جُزْء مِنْها إلى الفُقَراء، فالذي حَصَل به الامْتِيَاز بين الآيتين : أن هُنَاك أمر بالاسْتِدْلال بها على الصَّانع الحكيم وههنا أذن في الانْتِفَاع بها، وذلك تَنْبِيهٌ على أن الأمْرَ بالاسْتِدْلال بها على الصَّانِع الحَكيم مقدَّم على الإذن في الانتفاع، لأن الاستدلال على الصَّانِع يَحْصُل به سعادة جُسْمانِيَّة سريعة الانْقضَاء والأول أولى بالتَّقْديم.
وقال القرطبي : ووجه اتِّصَال هذا بما قَبْلَه : أن الكُفَّار لما افْتَروا على الله الكذب، وأشْركُوا معه وحَلَّلُوا أو حَرَّمُوا، دَلَّهم على وحْدانِيَّته بأنه خَالِق الأشْيَاءِ، وأنه جَعَل هذه الأشْيَاء أرْزَاقاً لهُمْ.
قوله :" أنْشَأ جَنَّاتٍ " أي : خَلَقها، يقال : نشأ الشَّيْء يَنْشَأ ونَشْأه ونَشَاءَةً، إذا طره وراتفع، والله يُنْشِئُه إنْشَاء، أي : يُظْهرُه ويرفعه.
وقوله :" مَعْرُوشَاتٍ " يقال : عَرَشْت الكَرَم أعْرِشُه عَرْشاً وعَرَّشْهُ تَعْريشاً إذا عطفت العيدان الَّتِي تُشَال عليها قُضْباَن الكَرْم، والواحِدُ عَرْشٌ، والجمع عُرُوشٌ، ويُقَال : عَرِيش وجمع عُرُوض، واعْتَرش العِنَبُ العَرِيش اعْتِرَاشاً، وفيه أقوال : أحدها : قال الضَّحَّاك : إن المَعْرُوشاتِ وغَيْر المَعْرُوشَاتِ كلاهما الكَرْم ؛ فإن بَعْضَ الأعناب يُعَرَّش وبَعْضُها لا يُعَرَّش، بل يَبْقَى على وجْهِ الأرْضِ مُنْبَسِطاً.
وثانيها : المَعْرُوشات : العِنَب الَّتِي يجعل لها عُرُوش، وغير المعروشات : كُلُّ ما يَنْبُت منَبِسطاً على وَجْه الأرض ؛ مثل القَرْع والبطِّيخ.
وثالها : قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - :" المَعْرُوشات : ما يُحْتَاجُ أن يتَّخذ له عَرِيشٌ يحمل عَلَيْه ؛ مث الكَرْم والبطِّيخ والقَرْع وغيرها، وغير المَعْرُوش : هو القَائِم على سَاقِهِ كالنَّخْلِ والزَّرْع.
ورابعها : المَعْرُوشات : ما يَحْصُل في البَسَاتين والعمرانات مما يغرسه النَّاسِ، وغير المعروشات : مما أنْبَتَهُ اللَّه - تبارك وتعالى - وجني في البَرَارِي والجِبَال.
٤٦٧
فصل في معنى الزرع والنخل والزَّرغ والنَّخْل ؛ فسر ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - الزَّرْع هَهُنا : لجميع الحُبُوب التي تقْتَات، أي : وأنْشَأ الزَّرْع، وأفْرِدا بالذِّكر وهما دَاخِلان في النِّبات ؛ لما فيهما من الفَضِيلَة على ما تقدَّم بيانه في البقرة عند قوله - تعالى - :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ﴾ [البقرة : ٩٨].
قوله - تعالى - :﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ : مَنْصُوب على الحَالِ وفيها قولان : أحدهما : أنها حَالٌ مُقَدَّرة ؛ أن النَّخْل والزرع وَقْت خروجهما لا أكْلَ فِيهمَا ؛ حتى يقال فيه : مُتَّفِقٌ أو مُخْتَلِف ؛ فهو كقوله - تبارك وتعالى - :﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر : ٧٣]، كقولهم :" مَرَرْت برجُلٍ معه صَقْرٌ صَائِداً به غداً " أي : مُقَدِّراً الاصطِيَاد به.
والثاني : أنها حَالٌ مُقَارِنَة، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي : وثمر النَّخْل وحَبُّ الزَّرع، و " أكُلُه " مَرْفُوعٌ بـ " مُخْتَلِفاً " [لأنه اسْم فاعل، وشروط الإعْمَال مَوْجُودة، والأكُل : الشَّيْء المَأكُول، وق تقدَّم أنه يُقْرأ بضمّ الكافِ وسُكُونها، ومضى تحقيقُه في البقرة :[٢٦٥] والضَّمِير في " أكُله " الظاهر أنَّه يَعُودُ على الزَّرْعِ فقط : إمَّا لأنَّه حذف حالاً من النَّخْلِ ؛ لدلالة هذه عَلَيْه، تقديره : والنَّخْل مُخْتَلِفاً أكُلُه، والزَّرْع مُخْتَلِفاً] أكله.
وإمَّا لأن الزَّرع هو الظَّاهِر فيه الاخْتِلافُ بالنِّسْبَة إلى المأكُول مِنْه ؛ كالقَمْح والشَّعِير والفول والحِمص والعَدس وغير ذلك.
وقيل : إنها تعود عليهما.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ : والضَّمِير للنَّخْل والزَّرع داخل في حُكْمِهِ، لكونه مَعْطُوفاً عليه.
وقال أبو حيًّان : وليس بِجيِّد ؛ لأن العَطْف بالواوِ، ولا يَجُوز إفْرَاد ضَمير المتَعَاطِفين.
وقال الحُوفِيُّ :" والهاءُ في " أكُلُه " عائدة على ذِكْر ما تقدَّم من هذه الاشْيَاء المُنْشَآت " وعلى هذا الذي ذكرَهُ الحوفي : لا تخْتَصُّ الحَالُ بالنخل والزَّرْعِ، بل يكُون لِمَا تقدَّم جَمِيعه.
قال أبو حيَّان :" ولو كَانَ كما زَعَم، لكان التَّرْكيب :" أكُلُهَا " إلا إنْ أُخِذ ذَلِك على حَذْفِ مُضَافِ، أي : ثَمَرَ جَنَّات، وروعي هذا المَحْذُوف فقيل :" أكُلُه " بالإفْرَاد على
٤٦٨