أي : بكفَّي رَجُلِ ؛ وهذا رأي بَعَضهم، وأما غَيْرَه فَيَقُول : متى دلَّ على المَوْصُوف، حُذَِف مُطْلقاً، فقد يجُوز أن يَرَى الزَّمَخْشَري هذا الرَّأي.
فصل في هل التحريم مَقْصُور على هذه الأشياء ؟ ذهب بَعْض أهل العِلْم إلى أن التَّحْريم مَقْصُور على هذه الأشياء ؛ يُرْوَى ذلك عن عَائِشة وبان عبَّاس - رضي الله عنهما - قالوا : ويَدْخل في المَيْتَة المُنْخَفِقَة والموْقُوذة وما
٤٨٦
ذكر [في أوَّل سُورة المائدة، وأكْثَر العُلماء على أنَّ التَّحْرِيم لا يختصُّ بهذه الأشياء مما ذكر، فالمحرم بنص الكتاب ما ذكر] ههنا، وقد حرمت السُّنة أشْيَاء : منها : ما روى ابْن عبَّاس - رضي الله عنهما - ؛ قال :" نَهى رسُول الله ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ من السِّباع، وكُلِّ ذي مِخْلَب من الطِّيْر ".
ومنها : ما أمر بِقَتْلِه بقوله :" خَمْس فواسِق تُقْتَل في الحِلِّ والحَرَم ".
ومنها : ما نَهَى عن قَتْلِه ؛ كنِهْيه عن قَتْل النَّحْلَة والنَّمْلة ؛ فهو حَرَامٌ، وما سوى ذلك فَيُرْجَع إلى الأغْلَب فيه من عَادَات العرب، فما يأكله الأغْلَب مِنْهُم، فهو حلالٌ، وما لا يَأكُلُه الأغْلَب منهم، فهو حَرَام ؛ لأن الله - تبارك وتعالى - خاطَبَهم بقوله :﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة : ٤] فما اسْتَطَابُواه فهو حلال.
وقوله :﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أباح هذه المُحَرَّمَاتِ عند الاضْطِرار في غير العُدوان، وتقدم الكلام عل نَظِيرها في البقرة.
قوله :" وَعَلى الَّذين هَادُوا " متعلَّق بـ " حَرَّمْنَا " وقد يُفيد الاخْتِصاص عند بعضهم ؛ كالزَّمْخَشَري والرَّازي، وقد صرّح به الرَّازي هنا، أعني : تَقْديم المَعْمُول على عَامِلهِ.
وفي " ظفُر " خمس لغات : أعلاها :" ظُفُر " بضم الظَّاءِ والفَاءِ، وهي قرءاة العامَّة.
و " ظُفْر " بسكون العين، وهي تَخْفِيف لمَضْمُومِها، وبها قرأ الحسن في رواية وأبيُّ بن كَعْب والأعْرَج.
و " ظِفِر " بكسرا لظَّاء والفاء، ونسبها الوَاحِدي قراءة لأبي السَّمال.
و " ظِفْر " تكسر الظَّاء وسكون الفَاء، وهي تَخْفيفٌ لمكْسُورها، ونسبها النَّاس للحسن أيضاً قراءة.
٤٨٧
واللغة الخامسة :" أظْفُور " ولم يُقْرأ بها فيما عَلِمْنَا ؛ وأ، شدوا على ذلك قول الشاعر :[البسيط] ٢٣٧٢ - مَا بَيْنَ لُقْمِتِهَا الأولَى إذَا انْحَدَرَتْ
وبَيْنَ أُخْرَى تَلِيها قِيدُ أظْفُورِ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٨٢
وجمع الثُّلاثي : أظْفَار، وجمع أظْفُور : أظافير وهو القياس وأظافِر من غير مَدِّ، وليس بِقِياس ؛ وهذا كقوله :[الزجر]
٢٣٧٣ - العَيْيَيْنِ والعَوَاوِر
وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك في قوله :﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام : ٥٩].
فصل في معنى " ذي ظُفُر " قال الواحديُّ اختلفوا في ذِي الظُّفُر : فروى عطاء عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : أنه الإبل فقط، ورُوي عنه أيضاً : أنَّه الإبل والنَّعَامة ؛ وهو قول مُجَاهد.
قوال عِبْد اللَّهِ بْنُ مُسْلِم :" إنَّه كلُّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّير، وكلُّ البَعِير والنَّعامة والإوَزِ والبَط ؛ ثم قال : كذلك قال المفسِّرون.
وقال ابن الخطيب :" وَسُمِّي الحافر ظفراً على الاسْتِعاَرِة " قال ابْنُ الخطيب أمَّا حمل الظُّفُر على الحَافِر فِبَعِيدٌ من وَجْهَيْن : الأول : أن الحَافِ لا يُسَمَّى ظُفُراً.
والثاني : لو كان الأمْر كذلك، لوجب ا، ب يُقَال : إنه - تبارك وتعالى - حَرَّم عليهم كُلَّ حَيَوان له حَافِر، وذلك بَاطِلٌ ؛ أن الآية تدلُّ على أنَّ الغَنَم والبَقَر مُبَاحَان لَهُم مع حُصُول الحافِر لَهُم.
وإذا ثَبَتَ هذا، فَنَقُول : وجب حَمْل الظُّفُر على المَخَالِبِ والبَرْاثِنِ ؛ لأن المَخالِب آلات الجَواَرِد في الاصطِيَاد : والبرارثِن آلات السِّبَاع في الاصْطِيَاد، وعلى هذا التقدير
٤٨٨