وهذا لا نَعْلَم فيه خلافاً، بخلاف الجمل المُتَبايِنَة بالخَبَر والاستِفْهَام والإنْشَاء ؛ فإن في دواز العَطْف فيها خِلافاً انتهى.
الثاني : أن تكون " أنْ " نَاصِبَة للفْعِل بعدها، وهي وما في حَيِّزِهَا في محلِّ نَصْبٍ بدلاً من " مَا حَرَّم ".
٥٠٦
الثالث : أنها النَّاصِبة أيضاً، وهي وما في حَيِّزها بدلٌ من العَائِد المحذُوف، إذا التَّقْدير : ما حَرَّمه، وهلي في المَعْنى كالذي قَبْلَه.
و " لا " على هذهين الوَجْهَيْن زائدة ؛ لئلا يَفْسُد المعنى كزِيَادَتِها شفي قوله - تعالى - :﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف : ١٢] و ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد : ٢٩] والتَّقْدير : حرّم ربُّكُم عليككم أن تُشْرِكوا.
قال أبو حيَّان :" وهذا ضَعِيف ؛ لانحصار عُمُوم المحرَّم في الإشْرَاك ؛ إذ ما بعده من الأمْر ليس دَاخِلاً في المُحَرَّم، ولا ما بعدها الأمر مما فيه لا يمكن ادّعَا زِيَادة " لا " فيه ؛ لظهور أنَّ " لاَ " فيه للنهْي "، ولما مكِّي كونها بَدَلاً من " مَا حَرَّم " [لم يُنَبّه على زيادة " لاَ " ولا بُدَّ منه.
وقد مَنَع الزَّمَخْشَريُّ أن يكُون بدلاً من " مَا حَرَّمَ " ] فقال :" فإن قُلْتَ : هلا قُلْت : فهي الَّتِي تَنْصِب الفْعْل، وجعلت " ألاَّ تُشْرِكُوا " بدلاً من " ما حَرَّمَ ".
قلت : وجب أن يكُون : ألاَّ تُشْرِكُوا، ولا " تَقْرَبوا " و " لا تقْتُلوا " و " لا تَتّبِعُوا السُّبُلَ نواهي ؛ لانعطاف الأوَامِر الأوَامِر عليها، وهي قوله - تعالى - ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ؛ لأن التقْدير : وأحْسِنُوا بالوالدين إحْسَاناً، وأوْفُوا وإذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا.
فإن قُلْت : فما تَصْنَع بقوله :﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام : ١٥٣] فيمن قَرَأَ بالفَتْح ؛ وإننما يستقيم عَطْفُه على " ألاَّ تُشْرِكُوا " إذا جعلْت " أنْ " هي النَّاصِبَة، حتى يكون المَعْنَى : أتْل عَلَيْكُم نَفْي الإشْرَاكِ، وأتل عَلَيْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مستَقياً ؟ قلت : أجْعَلُ قوله :" وأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقيماً " علَّةً للاتِّبَاع بتقدير اللام ؛ كقوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن : ١٨] بمعنى : واتَّبْعُوا صراطِي، لأنَّه مسْتَقِيمٌ، أو : واتِّبِعُوا صِرَاطي أنَّه مُسْتَقيم ".
واعترض عليه أبُو حيَّان بعد السُّؤال الأوّل وجوابه، وهو :" فإن قلت :" هلاَّ قُلْت هي النَّاصِبَة " إلى : و " وبِعْهْد الله أوْفُوا " فقال : لا يَتَعَيِّنُ أن تكُون جِمِيع الأوَامِر معطُوفَة على ما دخل عليه " لا " لأنَّا بيَّنَّا جواز عَطْفِ " وبالوَالِدَيْن إحْساناً " على " تَعَالَوْا " وما بَعْدَه معطوف عليه، ولا يكون قوله " " وبالوَالِدَيْن إحْسَاناًط معطوفاً على " ألا تُشْرِكُوا ".
الرابع : أن تكون " أنْ " النَّاصِبة وما في حَيِّزها مَنْصُوبة على الإغْرَاء بأـ " عَلَيْكُم "، ويكون الكلامُ الأوَّل قد تمَّ عند قوله :" رَبُّكُم "، ثم ابْتَدأ فقال : عَلَيْكُم ألاَّ تُشْرِكوا، أي :
٥٠٧