هذا استثناء مُفَرّغ أي : لا تَقَرَبُوه إلا بالخَصْلَة الحُسْنَى، فيجُوزُ أن يَكُون حالاً، وأن يَكُون نَعْتَ مَصْدَر، وأتى بصيغة التَّفْضِيل ؛ تنبيهاً على أنَّه يتحرَّى في ذلك، ويَفْعَل الأحْسَن ولا يَكْتَفي بالحَسَن.
قوله :" حَتَّى يَبْلُغ " هذه غاية من حَيْث المَعْنَى، فإن المَعْنى : احْفَظُوا ماله حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، [ولو جَعلْنَاه غاية للَّفْظِ، كان التقدير : لا تَقْرَبُوه حتى يَبْلُغ] فاقربوه، ولَيْس ذلك مُرَاداً.
٥١١
قال القرطبي :" وليس بُلُوغ الأشُدِّ مما يُبِيحُ به قُرْب ماله بغير الأحْسَن ؛ لأن الحُرْمَة في حقِّ البَالِغ ثابِتَةٌ، وخصَّ اليتيم بالذِّكر ؛ أن خَصِيمَهُ الله - تعالى - والمعنى لا تَقْرَبُوا مال اليَتيم إلا بالَّتِي هي أحْسَن على الأبَدِ حَتِّى يَبْلُغ أشُدَه، وفي الكلام حَذْف تقديره : فإذا بَلَغَ أشُدَّه وأنِس منه الرُّشْد، فادْفَعُوا إليه مَاله ".
والأشُدُّ : اختلف النَّحْويُّون فيه على خمسة أوجه : فقال الفرَّاء :" هو جمع لا وَاحِد له، والأشُدُّ واحدُها " شَدٌّ " في القياس، ولم أسْمَع لها بِوَاحدٍ ".
وقيل : هو مُفْرَدٌ لا جمع، نقل ابن الأنْبَاري ذلك عن بعض أهْل اللَّغَة، وأنه بِمَنْزلة " الآنُك " ونقل أبو حيَّان عنه : أن هذا الوَجْه مُخْتَاره في آخرين، ثم قال :" ولَيْ بمختارٍ ؛ لفقدان أفْعُل في المُفْرَادَات وضعاً ".
وقيل : هو جَمْع " شدَّة " و " فِعْلَة " يُجْمَع على أفْعُل " ؛ كنِعْمَة وأنْعُم، قال أبو الهَيْثَم، وقال : و " كأن الهَاءَ في الشِّدَة والنِّعْمَة لم تكن في الحَرْف، إذا ان زَائِدَة، وكان الأصلُ نِعْم وشِدّ فَجُمِعَا على " أفْعُل " ؛ كما قالوا : رِجْل وأرْجُل، وقِدْح وأقْدُح، وضِرْس وأضْرُس ".
وقيل : هو جمع شُدّ [بضم الشِّين نقله ابن الأنْبَاري عن بعض البَصْرِيِّين ؛ قال : كقولك : هو وُدُّ، وهم أوُدُّ].
وقيل : هو جمع شَدّ بفتحها، وهو مُحْتَمل.
والمراد هُنَا ببلوغ الأشد : بُلُوغ الحُلُم في قَوْل الأكْثَرِ ؛ لأنه مَظِنَّة ذلك.
وقيل : هو مَبْلَغ الرِّجَال من الحِيلة والمَعْرِفة.
وقيل : هو مَبْلَغ خمسة عشر إلى ثلاثين.
وقيل : أن ثلاثة وثلاثين.
وقيل : أرْبَعِين.
وقيل : سِتِّين، وهذه لا تَلِيق بهذه الآيةِ، إنما تليق بقوله - تعالى - :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف : ١٥] وتقدم منه طرف في النساء.
والأشُدُّ مشتق من الشِّدَّة ؛ وهي القُوَّة والجلادة، وأنشد الفرَّاء - رحمه الله تعالى - :[البسيط] ٢٣٨٢ - قَدْ سَادَ وهو فَتَى حَتَّى إذَا بَلَغَتْ
أشُدُّهُ وعَلاَ فِي الأمْرِ واجْتَمَعَا
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥١١
٥١٢
وقال الآخرُ في ذلك :[الكامل] ٢٣٨٣ - عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارُ كأنَّمَا
خُضِبَ البَنَانُ وَرَأسُهُ بِالعظْلمِ