الجارَّ هُنَا في قوَة المَنْطوق به، وإنما حُذِفَ ؛ لأنَّه يَطَّرِد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطُولِهِما بالصِّلة، ولذلك كان مَذْهِبُ الجمهور أنها في محلِّ جرِّ بعد حذفه لأنَّه كالموجُود، ويدل على ما قلته، ما قال الحُوفِيّ، قال :" حُذِفت البَاء لِطُول الصِّلة وهي مُرَادة، ولا يكن هذا عَطْفُ مُظْهَر على مُضمر لإرادتها ".
وأمّا الثاني : فالمعنى : صَحيح غير فَاسِد ؛ لأن مَعْنَى توصيتنا باسْتِقَامة [الصِّراط ألاَّ نَتَعَاطى ما يُخْرِجُنا من الصَّراطِ فوصيتنا باسْتِقَامَتِه] مبالغة في اتِّباعِه.
وأما قراءة ابن عامر فقالوا :" أنْ " فيها مُخَفَّفَة من الثَّقِيلَة، واسمها ضمير الأمْر والشأن، أي :" وأنَّهُ " كقوله - تعالى - ﴿#١٦٤٩; لْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس : ١٠] وقَوْل الأعْشى : البسيط] ٢٣٨٤ - فِي فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِموا
أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥١٥
وحينئذٍ ففيها الأرْبَعة أوْجُه المتقدّمة المَذْكُورة في المشدَّدة.
وقرأ بان عامر وابن كثير :" سِرَاطِي " بالسِّين، وحمزة : بين الصَّاد والزَّاي، والباقون : بالصَّاد صافية، وفي مُصْحَف عبد الله :" وهذا صِرَاطي " بدون " أنّ "، و " هذا " صِرَاط ربِّك ".
قوله :﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾.
أي : الطُّرُق المختَلِفة التي عدا هذا الطَّريق ؛ مثل اليَهُودِيَّة، والنصرانية، وسائر الملل، وقيل : الأهْوَاء والبدع.
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي : فتقَعُوا في الضِّلالاتِ.
روى أنب مَسْعُود - رضي الله عنهما - " عن النَّبي ﷺ، أنه خَطَّ خَطأ عن يَمِينه، وخطَّ عن شَمَالِهِ خُطُوطاً، ثم قال : هذا سبيل اللَّهِ، وهذه سُبُلٌ، على كُلِّ سبيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُوا إلَيْهَا، ثم تى :" وأنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقيماً فاتِّبِعُوه ".
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه الآيَاتُ مُحْكَمَات، لم يَنْسِخْهُنَّ شيء من
٥١٧
جَمِيع الكُتُب، من عَمِل بِهِنَّ، دخل الجنَّة، ومن تركَهُنَّ، دخل النار.
قوله :" فتفَرَّق " منصوب بإضمار " أنْ " بعد الفَاءِ في جواب النَّهْي، والجُمْهُورُ على " فَتَفَرَّق " بتاء خَفِيفَة، والبزِّيُّ بتشْدِيدهَا فمن خفَّف، حذف إحْدى التَّاءَيْن، ومن شدَّد أدْغم ؛ وتقدم هذا في ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام : ٨٠].
و " بكم " : يجوز أن يكُون مَفْعُولاً به في المَعْنَى، أي : فَيُفَرِّقُكُم، ويجُوز أن تكون حالاً، أي : وأنْتُم معها ؛ كقوله القَائِل في ذلك :[الوافر] ٢٣٨٥ -.................
تَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّريبَا
وختم هذه الآية بالتَّقْوى وهي اتِّقاء النَّارِ، لمُنَاسَبَة الأمر باتِّباع الصِّراط، فإن من اتّبعه وَقَى نَفْسَه من النَّارِ.
فصل في فضل هذه الآية قال القُرْطُبيُّ في هذه الآية الكريمة :" وهذه آيَةٌ عَظِيمَةٌ عطفها على ما تقدَّم، فإنه لمَّا نَهَى وأمر حَذَّر هنا عن اتِّبَاع غَيْر سَبِيله، فأمر فيها باتِّباع طَريقة ".
" مستقيماً " نصْب على الحَالِ، ومعناه : مُسْتَوياً قَائِماً لا اعْوجَاج فيه، وقد بَيَّنه على لسان نبيِّه ﷺ، ونشأت منه طُرُقٌ، فمن سلك الجَادّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطُّرُق أفضت به إلى النَّارِ قال - تعالى - :﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي : تميل.
روى ابن مَسْعُود - ر ضي الله عنهما - قال :" خَطَّ لنا رَسُول الله ﷺ يَوْمَاً خَطّاً، ثم قال : هذا سَبيلُ اللَّه، ثم خَط خُطُوطاً عن يَمِينه وشِمَاله، ثم قال : هذه سُبل، على كل سَبيلٍ منها شَيْطَان يَدْعُو إليها، ثم قرأ هذه الآية الكريمة ".
وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي ﷺ فخط خطًّا وخط خطيب عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : هذا سبيل الله - ثم تلا هذه الآية - ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
وهذه السُّبُل في اليَهُوديَّة، والنَّصْرَانية، والمجُوسيَّة، وسائر أهل المِلَل والبِدَع والضَّلالاتِ، من أهل الأهْواءِ والشُّذُوذِ في الفُرُوع، وغير ذلك أهْلِ التَّعَمُّق في الجدل
٥١٨
ولخوض في الكلام، وهذه عْرْضَة للزَّلَل.
قال ابن عطية ؟
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥١٥