لم يُلْحِق التَّاء في عدد أبطن، وهي مُذَكَّرة ؛ لأنَّها عِبَارة عن مُؤنَّث، وهي القبائل، فكأنَّه قيل : وإن كِلاَباً هذه عَشْر قَبَائِل ؛ ومثله قول عُمَر بن أبي ربيعة :[الطويل] ٢٣٩٨ - وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقِي
ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ
لم تَلْحَق التاءُ في عدد " شخوص " وهي مُذَكَّرة ؛ لمَّا كانت عِبَارة عن النِّسْوة، وهذا أحْسَن ممَّا قَبْلَه ؛ للتَّصْريح بالمُؤنَثِ في قوله :" كاعبانِ " و " مُعْصِرُ "، وهذا كما أنَّه إذا أُرِيد بلَفْظٍ مؤنَّثٍ معنَى مُذَكَّر ؛ فإنَّهم يَنْظُرُون إلى المُراد دُونه اللَّفْظ، فَيُلْحِقُون التَّاء في عددِ المُؤنَّث، ومنه قوله الشاعر :[الوافر] ٢٣٩٩ - ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ
لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ على عِيَاليِي
٥٣٢
فألحَق التَّاء في عدد " انْفُس " وهي مُؤنَّثةٌ ؛ لأنَّها يراد بها ذُكُور، ومثله :﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً﴾ [الأعراف : ١٦٠] في أحد الوَجْهَين، وسيأتي إن شاء الله في موضعه.
ومنها : أنَّه راعى الموصُوف المَحْذُوف، والتقدير : فله عَشْر حسنات أمْثَالها، ثم حذف الموصُوف : وأقَامَ صِفَتَهُ مُقامه تاركاً العدد على حاله، ومثله :" مَرَرْت بِثَلاثة نَسَّاباتٍ " ألْحِقَت التَّاء في عدد المؤنَّث مُرَاعاة للموصوف المَحْذُوف، إذ الأصْل : بثلاثة رجالٍ نسَّاباتٍ، ويؤيِّد هذا : قراءة يَعْقُوب، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، والأعْمش، وعيسى بن عُمَر :" عَشْرٌ " بالتَّنوين " أمثَالُها " بالرَّفْع صفة لـ " عَشْر " أي : فله عشر حسنتٍ أمْثَالِ تِلْك الحسنة، وهذه القراءة سَالِمَةٌ من تلك التَّآويل المَذْكُورة في القِرَاءة المَشْهُورة.
وقال أبو عليَّ : اجْتَمَع هاهُنَا أمْرَان، كلٌّ مِنْها يُوجِب التَّأنيث، فلما اجْتَمَعا، قوي التَّأنيث : أحدهما : أن الأمْثَال في المعنى :" حَسَنات " فجاز التأنيث كقوله :[الطويل] ٢٤٠٠ -............
ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٣١
أرد بالشُّخُوص : النِّسَاء.
والآخر : أنَّ المُضاف إلى المؤنَّثِ قد يُؤنَّث وإن كان مُذَكَّراً ؛ كقوله من قال :" قَطَعْت بَعْضَ أصابِعه "، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف : ١٠].
فصل في هل المراد في العدد التحديد قال بعضهم : التقدير بالعَشْرَة ليس المراد منه : التَّحْديدُ، بل المُرَادُ منه : الإضْعَاف مُطْلقاً ؛ كقول القائل :" إذا أسديت إليَّ معروفاً لأكافِئَنَّكَ بعشر أمْثَالِهِ " وفي الوَعِيد :" لئن كَلَّمْتَنِي [كلمة] واحِدَة، لأكَلِّمنَّك عَشْراً " ولا يريدُ التَّحْديد، فكذلك هُنا، ويدُلُّ على أنَّه ليس المراد التَّحْديد، قوله - سبحانه وتعالى - :﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة : ٢٦١].
وقال ابن عُمَر - رضي الله عنه - :" الآية في غير الصِّدَقَات ".
قوله :﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ أي : إلا‍ّ جَزَاء يُسَاويِها.
روى أبو ذرِّ - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ وشرّف وكرَّم وبجّل ومَجّد وعظَّم قال : قال الله - تبارك وتعالى - :" الحسنة عشرة أو أزيد، والسيئة واحدة، أو عفو، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ".
٥٣٣


الصفحة التالية
Icon