لمَّا عرّفه الدِّين المُستقِيمن عرَّفه كيف يقُوم به ويؤدِّيه، وهذ الآية الكريمة تدلُ على انَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - مؤدِّي العِبَادة مع الإخْلاص، وأكده بقوله - تبارك وتعالى - :﴿لاَ شَرِيكَ لَه﴾ وهذا من أقْوَى الدَّلائل على أنَّ شَرْط صحة الصَّلاة : أن يُؤتَى بها مَقْرُونةً بالإخْلاصِ.
واخْتَلَفُوا في المُرَاد بالنُّسُك : فقيل : المُرَاد به : الذَّبِيحَة بعينها، وجمع بين الصَّلاة وبين النَّحر ؛ كما في قوله - تبارك وتعالى - :﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر : ٢] فقيل : المراد بالصلاة هاهنا صلاة النَّحْر، وقيل : صلاةُ اللَّيْل.
وروى ثَعْلَب عن ابن الأعْرَابيِّ أنه قال : النُّسُك : سَبَائِك الفِضَّة، كل نَسِيكة منها سَبيكة، وقيل للمُتعَبِّد : نَاسِكٌ، لأنه خلَّص من دنَائِس الآثَم وصفَّاها، كالسَّبيكة المُخَلَّصَة من الخَبَث، وعلى هذا التَّأويل فالنُّسُك : كل ما يُتَقرَّبُ به إلى اللَّه - تبارك وتعالى -، إلاَّ أن الغَالِب عليه في العُرْف : الذَّبْح.
قوله :﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه﴾.
قرأ نافع :" ومَحْيايْ " بسكون ياء المُتكلِّم، وفيها الجَّمع بين سَاكِنَيْن.
٥٣٦
قال الفارسي : كقوله :" التَقَتْ حَلْقَتَا البطَانِ " و " لِفُلانٍ ثُلُثَا المَالِ " بثبوت الألفين.
وقد طَعَن بَعْضُ النَّاس على هذه القراءة بما ذَكَرْت من الجَمْع بَيْ السَّاكِنين، وتعجَّبت من كَوْن هذا القَارئ يُحَرك ياء " مُمَاتِيَ " ويُسَكِّن ياء " مَحْيَايْ " وقد نقل بَعضُهُم عن نافع الرُّجوع عن ذلك.
قال أبُو شامة - رحمة الله عليه - :" فَيَنْبَغِي ألاَّ يَحِلَّ نَقْلُ تسْكِين ياء " مَحْيَايَ " عنه ".
وقرأ نافع في رواية :" مَحْيَاي " بكسر الياءِ، وهي تشبه قراءة حَمْزَة في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم : ٢٢]، وسيأتي - إن شاء الله تعالى -.
وقرا ابنُ أبي إسحاق، وعيس الجَحْدَرِيُّ :" ومَحْيَيَّ " بإبْدال " الألف " " ياء "، وإدغَامِها في ياء المُتَكلِّم، وهي لُغة هُذَيْل، أنشد عليها قول أبي ذُؤيْب :[الكامل] ٢٤٠١ - سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَاقُوا لِهَوَاهُمُ
فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرعُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٣٦
اعلم : أن المَحيْا والممَاتِ للَّه لَيْس بمعنى أنَّهُما يُؤتَى بِهِمَا لطاعة الله - عزَّ وجلَّ -، فإن ذلك مُحَال، بَلْ معنى كوْنِهِا للَّه أنَّهُمَا حَاصِلان بِخَلْقِ اللَّه، وذلك مِنْ أدلِّ الدِّلائل على أنَّ طاعة العَبْد مَخْلُوقة منه - تعالى -.
وقال بَعْضُ المفسِّرين :" مَحْيَايَ : بالعمل الصالحن ومَمَاتِي : إذا مِتُّ على الإيمان من رب العَالمِين ".
واعلم : أنَّه - تبارك وتعالى - أمرَ رسُوله ﷺ بأن يُبَيِّن أنَّ صلاته، وسَائر عِباداتِه، وحياته، ومَمَاتِه كُلِّها واقعةٌ بخلق اللَّه - تبارك وتعالى - وبقدره، وقضَائه، وحُكْمِه.
وقال القُرْطُبِيُّ - رحمه الله عليه - : قوله :" ومَحْيَايَ " أي : ما أعْمَله في حَيَاتِي، و " مَمَاتِي " أي : ما اوصِي به بَعْد وَفَاتِي " لِلَّهِ ربِّ العَالمِين " أي : أُفْرِدُهُ بالتَّقَرُّب بها إليه، ثمَّ نصَّ على أنَّه لا شَريكَ لَهُ في الخَلْق، والتقدير، ثم قال :" وبذلِك أمِرْتُ " وبهذا التَّوحيد أمِرْت، ثم يقول :" وأنا أول المُسْلِمين " أي : المُستَسْلِمين لِقضَاء اللَّه وقدَره، ومَعْلُوم أنَّه لَيْس أوَّلاً لكلِّ مُسْلِمٍ، فوجب أن يكُون المراد : كَوْنه أوّلاً لِمُسْلِمِي زَمَانه.
فصل في استفتاح الصلاة بهذا الدعاء قال القرطبي - رحمه الله - :" ذكر الطبري، عن الشَّافعي - رحمه اله - أن في قوله
٥٣٧
- تعالى -.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام : ٦١] إلى قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ما يَدُلُّ على افْتِتَاح الصَّلاة بهذا الذِّكْر ؛ فإن اللَّه - سبحانه وتعالى - أمر نبيِّه ﷺ به، وأنْزَله في كِتَابه، ثم ذكر حديث عليِّ - رضي الله عنه - كان إذا افْتِتَح الصلاة قال : وجَّهْت وَجْهِي للَّذِي فَطَر السَّموات والأرْضَ حَنِيفاً وما أن من المُشْركِين، إنَّ صَلاَتي ونُسُكي ومَحْيَاي ومَمَاتِي للَّه ربِّ العالمين، لا شَرِيكَ لهُ وبذلك أمِرْت وأنا أوَّل المُسْلِمِين.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٥٣٦