قد تقدَّمَ أنَّ مدار القرآن على تَقْرِير هذه المسائل الأربع وهي : التَّوحِيدُ، والنبوةُ، والمعادُ، والقضاءُ والقدرُ، ولا شك أنَّ إثبات المعاد مبنيٌّ على إثبات التَّوحيد والقدرة والعلم، فلمَّا بالغ الله في تقرير المعادِ عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القُدْرَةِ والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التَّوحيدِ، ومقررّة أيضاً لإثبات المعاد.
قوله :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ الجمهور على رفع الجلالة خبرا لـ " إنَّ "، ويضعف أن تجعل بدلاً من اسم " إنَّ " على الموضع عند مَنْ يرى ذلك، والموصول خبر لـ " أنَّ " وكذا لو جعله عطف بيان، ويتقوَّى هذا بِنَصْبِ الجلالةِ في قراءة بكار، فإنَّها فيها بدلٌ، أو بيان لاسم " إنّ " على اللفظ، ويضعف أَن تكون خبرها عند مَنْ يرى نصب الجزءين فيها كقوله :[الطويل] ٢٤٧٨ - إذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأتِ ولتَكُنْ
خُطَاكَ خِفَافاً إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
وقوله :[الرجز] ٢٤٧٩ - إنَّ العَجُوزَ خبَّةً جَرُوزا
تَأكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَفِيرْا
قيل : ويُؤيِّدُ ذلك قِرَءةُ الرَّفْعِ أي : في جعلها إيَّاهُ خبراً، والموصول نعت لله، أو بيان له، أو بدل مِنْهُ، أو يُجْعَل خبراً لـ " إن " على ما تقدَّم من التخاريج، ويجوز أن يكون معطوفاً على المَدْحِ رفعاً، أو نصباً.
قوله :" في سِتَّةِ " حكى الواحِدِيُّ عن الليث أنَّهُ قال :" الأصل في الستّ والستّة : سدسٌ وسدسةٌ [أبدل السين تاء] ولما كان مخرج الدّال والتّاء قريباً، وهي ساكنة أدغم أحدهما في الآخر، واكتفى بالتَّاءِ، ويدلُّ عليه أنَّكَ تقُولُ في تصغير ستة : سُديْسَةٌ،
١٤٠
وكذلك الأسْدَاسُ وهذا الإبدال لازم، ويدلُّ عليه أيضاً قولم : جَاءَ فلانٌ سَادساً وسدساً وسادياً بالياءِ مثناة من أسفل قال [الشاعر] :[الطويل] ٢٤٨٠ -................
وَتَعْتَدُّنِي إنْ لَمْ يَقِ اللَّهُ سَادِيا
جزء : ٩ رقم الصفحة : ١٤٠
أي " سَادِساً " فأبْدَلَهَا.
فصل قوله :﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الظَّاهِرُ : أنَّهُ ظَرْفٌ لـ " خَلْق السموات والأرض " معاً، واسْتُشْكِلَ على ذلك أنَّ اليومَ إنَّمَا هو بطلُوعِ الشَّمْسِ وغروبها، وذلك إنَّما هو بَعْدَ وجود السَّمواتِ والأرْضِ، وأجَابُوا عَنْهُ بأجْوِبَةٍ منها : أنَّ السَّتَّةَ ظرفٌ لخلق الأرض فقطن فعلى هذا يكُونُ قوله :" خلق السموات " مطلقاً لم يُقَيَّدْ بِمُدَّةٍ، ويكون قوله :" والأرْضَ " مفعولاً بفعل مُقَدَّرٍ أي ؛ وخلق الأرض، وهذا الفعل مُقَيَّد بِمُدَّة سِتَّةِ أيَّامٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ جِدّاً.
وقيل : في مِقْدَارِ سِتَّةِ أيَّامٍ من أيَّام الدُّنْيَا، ونظيره :﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم : ٦٢].
والمراد : على مقدار البُكْرَةِ والعَشيِّ في الدُّنْيَا ؛ لأنَّهُ لا ليل ثمَّ ولا نهار.
وقيل : سِتَّةُ أيَّامِ كأيَّامِ الآخِرَةِ، كلُّ يَوْمٍ كألْفِ سَنَةٍ.
قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كان اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - قادِراً على خَلْق السَّمواتِ والأرْضَ في لَمْحَةٍ ولحظة، فَخَلَقَهُنَّّ في سِتَّةِ أيَّام تعليماً لخلقه التَّثَبُّتَ، والتَّأنِّي في الأمُور، وقد جَاءَ في الحديث :" التَّأنِّي من اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ " قال القرطبيُّ : وأيضاً لتظهر قُدْرَتُهُ للملائكةِ شيئاً بعد شيء وهذا عند من يَقُولُ : خلق الملائِكَة قبل خلقِ السَّمواتِ والأرضَ، وحكمةٌ أخَْى خلقها في ستَّة أيَّامٍ، لأنَّ لكلِّ شيءٍ عندَهُ أجلاً، وبين بهذا ترك مُعاجلةِ العُصَاةِ بالعقابِ ؛ لأنَّ لكلِّ شَيْءٍ عندَهُ أجلاً وهذا كقوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق : ٧٣ - ٣٧] بعد أن قال :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ [ق : ٣٨].
فصل في بيان أسئلة واردة على الآية في الآية سؤالات : الأول : كونُ هذه الأشياء مخلوقةً في سِتَّةِ أيَّامٍ لا يمكن جعله دليلاً على إثْبَات الصَّانِعِ لوجوه.
١٤١


الصفحة التالية
Icon