ثم قال :" وحقيقٌ على هذه القراءة - يعني قراءة العامَّة - بمعنى محقوق " انتهى.
[وقرأ أبَيٌّ " بأن لا أقُولَ " وهذه تقوي أنَّ " على " بمعنى الباء].
وقرأ عبدُ الله والأعمشُ " لاّ أقُولَ " دون حرف جرّ، فاحتمل أن يكون ذلك الجارّ " على " كما هو قراءة العامَّةِ، وأن يكون الجارُّ الباء كقراءة أبيّ المتقدمة.
والحقُّ هو الثابت الدَّائِمُ، والحقيق مبالغة فيه.
قوله :" إلاَّ الحَقَّ " هذا استثناء مفرَّغٌ، و " الحقُّ " يجوزُ أن يكون مفعولاً به، لأنَّهُ يتضمن معنى جملة، وأن يكون منصوباً على المصدر أي : القول الحق.
قوله :﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني العَصَا واليد ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِى إِسْرَائِيلَ﴾ أي أطلق عنهم وخلِّهم يرجعون إلى الأرْضِ المقدَّسةِ، وكان فرعونُ قد استخدمهم في الأعمال الشَّاقَّة، فقال فرعونُ مجيباً له :﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ والمعنى : إنْ كنت جئت من عند من أرْسَلَكَ بآيةٍ ؛ فأحضرها عندي لتصحَّ دعواك.
فإن قيل قوله :﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ جزاء واقع بين شرطين فكيف حمله ؟ والجوابُ : أنَّ هذا نظير قولك : إنْ دخلت الدَّارَ فأنت طالق إن كلمت زيداً، وهاهنا المؤخر في اللَّفظ يكون مقدماً في المعنى ؛ كما سبق تقريره.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٤٦
لما طلب فرعون من موسى إقَامَةِ البَيِّنَةِ على صحَّةِ دعواه، بين الله تعالى أنَّ معجزته كانت قلب العصا ثعباناً، وأظهار اليد البيضاء.
٢٤٩
" فإذَا " فجائية وقد تقدَّم أنَّ فيها مذاهبَ ثلاثةً : ظرف مكان، أو زمان، أو حرف.
وقال ابن عطية هنا :" وإذَا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرِّد من حيثُ كانت خبراً عن جثة، والصَّحيحُ الذي عليه النَّاسُ أنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ في كلِّ مَوْضِعٍ ".
قال شهابُ الدِّين :" والمشهورُ عند النَّاسِ قول المبردِ، وهو مذهب سيبويه ".
وأمَّا كونها زماناً فهو مَذْهَبُ الرِّيَاشي، وعُزِيَ لسيبويه أيضاً.
وقوله :" من حيث كانت خبراً عن جثَّة " ليست هي هنا خبراً عن جُثَّة، بل الخبرُ عن " هي " لفظ " ثُعْبَان " لا لَفْظ " إذا ".
والثُّعْبَانُ هو ذَكَرُ الحيَّاتِ العظيم، واشتقاقُه من ثَعَبْتُ المكان أي : فجَّرْتُه بالمَاءِ، شُبِّه في انسيابه بأنْسِيَابِ الماء، يقال : ثَعَبْتُ الماءَ فجَّرْتُه فانْثَعَبَ.
ومنه مَثْعَبُ المطر، وفي الحديث :" جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجَرْحُهُ يَثْعَبُ دماً " فصل فإن قيل إنَّهُ وصفها هنا بكونها ثُعْبَاناً، وهو العظيمُ الهائل الخلق، وفي موضع آخر يقول :﴿كَأَنَّهَا جَآنٌ﴾ [النمل : ١٠]، والجان من الحيَّاتِ الخفيف الضّئيل الخلق، فكيف الجَمْعُ بين هاتين الصّفتين ؟ وقد أجاب الزَّمَخْشَرِيُّ في غير هذا المكان بجوابين : أحدهما : أنَّهُ يجمع لها بين الشيئين : أي كبر الجُثَّةِ كالثُّعْبَانِ وبين خفَّةِ الحركة، وسرعة المشي كالجَان.
والثاني : أنَّها في ابتداء أمرها تكون كالجَان، ثمَّ يتعاظمُ ويتزايد خلقها إلى أن تصير ثُعْبَاناً.
وفي وصف الثُّعبانِ بكونه مُبيناً وجوه : أحدها : أنُّهُ تمييز ذلك عمَّا جاءت به السَّحرَة من التمويه الذي يلتبسُ على من لا يعرف سببه.
٢٥٠
وثانيها : أنَّهم شاهدوا كونه حيَّةً، فلم يشتبه الأمر عليهم فيه.
وثالثها : أنَّ الثَّعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي لكاذب.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٤٩
النّزع في اللُّغَةِ عبارة عن إخراج الشَّيء عن مكانه، فقوله :" نَزعَ يَدَهُ " أي أخرجها من جَيْبِهِ ومن جناحه، بدليل قوله :﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل : ١٢]، وقوله :﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه : ٢٢].
قوله :﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ﴾ قال ابن عباس :" كان لها نور ساطع يضيء بين السَّماء والأرض "، واعلم أنَّهُ لمَّا كان البياض كالعيب بيَّن تعالى في غير هذه الآية أنَّهُ كان من غير سوء.
قوله :" للنَّاظرينَ " متعلق بمحذوف لأنَّهُ صفة لـ " بيضاء " وقال الزَّمخشريُّ :" فإن قلت : بم تعلق للناظرين ؟ قلت : يتعلَّقُ بـ " بيضاء " والمعنى : فإذا هي بيضاء للنَّظارة، ولا تكون بيضاء للنَّظَّارةِ إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادةِ، يجتمعُ النَّاس للنَّظر إليه، كما يجتمع النَّظَّارة للعجائب ".
وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ تفسير معنى لا تفسير إعراب، وكيف يريدُ تفسير الإعراب ؟ وإنَّما أراد التعلُّق المعنويُّ لا الصّناعي، كقولهم : هذا الكلامُ يتعلق بهذا الكلام.
أي إنَّهُ من تتمَّةِ المعنى له.
فإن قيل : إنَّ كثرة الدَّلائل توجب القوَّةَ في النَّفْسِ، وسيأتي في سورة طه - إن شاء الله تعالى - أن انقلاب العصا أعظم من اليد البيضاء.


الصفحة التالية
Icon