وحذف ذكر الإرْسَالِ لعلم السَّامع.
وفي قوله :﴿إِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾ وجهان : أظهرهما : أنَّهَا لا محلَّ لها من الإعْرَاب ؛ لأنَّها استئناف جواب لسؤال مقدر، ولذلك لم تعطف بالفاء على ما قبلها.
قال الزمخشريُّ : فإن قلت : هلا قيل :" وجاءَ السَّحرةُ فرعون فقالوا ".
قلت : هو على تقدير سائل سأل : ما قالوا إذ جاءوه ؟ فأجيب بقوله قالوا :" أإن لنا لأراً " وهذا قد سبقه إليه الواحديُّ إلاَّ أنه قال :" ولم يقل " فقالوا " لأنَّ المعنى لما جاءوا قالوا " فلم يصحَّ دخول الفاء على هذه الوَجْهِ.
والوجه الثاني : أنَّهَا في محلِّ نَصْبٍ على الحال من فاعل " جاءُوا " قاله الحوفي.
وقرأ نَافِعٌ وابن كثير وحفصٌ عن عاصم " إنَّ " بهمزة واحدة بكسر الألف على الخبر والباقُونَ بهمزتين على الاستفهام.
وهم على أصولهم من التحقيق والتسهيل وإدخال ألفٍ بينهما وعدمه.
فقراءة الحَرَميِّيْن على الإخبار، وجوَّز الفارسيُّ أن تكون على نيَّةِ الاستفهامِ يدلُّ عليه قراءة البقاين.
قال الواحديُّ : الاستفهام أحْسَنُ في هذا الموضع ؛ لأنَّهُم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا، ولا يقطعون على أن لهم الأجر، ويقوي ذلك إجماعهم في سورة " الشعراء " على الاستفهام.
٢٥٧
وحجَّةُ نافع وابن كثير أنَّهُما أرادا همزة الاستفهام، ولكنهما حذفا ذلك من اللَّفْظِ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله تعالى :﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء : ٢] وقول الشاعر :[المنسرح] ٢٥٤٠ - أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الكِرَامَ وَأنْ
............................
وقول الآخر :[الطويل] ٢٥٤١ -..........................
...
وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
وكقوله :﴿هَـذَا رَبِّي﴾ [الأنعام : ٧٦] التقدير : أهذا ربي ؟ وقد تقدَّم تحقيق هذا، وأنَّهُ مذهب أبي الحسن ونكر " أجراً " للتعظيم.
قال الزَّمخشريُّ :" كقول العربِ : إنَّ له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ".
قوله :" إنْ كُنَّا " شرط جوابه محذوفٌ للدِّلأالة عليه عند الجمهور، أو ما تقدَّم عند من يجيز تقديم جواب الشَّرْط عليه.
و " نَحْنُ " يجوز فيه أن يكون تأكيداً للضَّمير المرفوع، وأن يكون فصلاً فلا محل له عند البصريين، ومحله الرَّفع عند الكسائيِّ، والنَّصب عند الفرَّاء.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٥٧
فإن قيل : قوله :﴿وإنكم لمن المقربين﴾ معطوف على ماذا ؟ فالجوابُ أنَّهُ معطوف على محذوف، وهو الجملة التي نابت " نعم " عنها في الجاوب إذا التقديرُ : قال : نعم إنَّ لكم لأجراً وإنكم لمن المقربين، أي : إني لا أقصركم على الثَّواب، بل أزيدكم عليه بأن أجعلكم من المقرّبين عندي.
قال المتكلمون :" وهذا يدلُّ على أنَّ الثواب إنَّما يَعظم موقعه إذا كان مقروناً بالتعظيم ".
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً عاجزاً وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى، ويدلُّ على أن السَّحَرَة ذليلاً عاجزاً وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالحسرة في دفع موسى، ويدلُّ على أن السَّحَرَة لم يقدروا على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلبِ الأجْرِ والمال من فرعون ؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان فَلَمَ لم يقلبوا التراب ذهباً، ولِمَ لَمْ ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم، ولِمَ لَمْ يجعلوا أنفسهم مُلُوك العالم.
والمقصودُ من هذه الآيات تنبيه الإنسان على الاحتراز عن الاغترار بكلمات أهل الأبَاطيل.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٥٧
قوله :﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾ : إمَّا هنا للتخيير، ويطلق عليها حرف عطف مجازاً.
قال المفسرُون :" تأدَّبوا مع موسى - عليه السلام - فكان ذلك سبب إيمانهم ".
٢٥٨