حضنه، وكان أيضاً من العرب من لا يرى التَّطيُّرَ شيئاً نقله القرطبيُّ.
وروى عبد اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ عن رسُولِ الله ﷺ، قال :" مَنْ رَجَّعَتْهُ الطِّيرةُ عن حَاجَتِه فَقَدْ أشْرَكَ ".
قيل : وما كفارةُ ذلك يا رسُول اللَّهِ.
قال :" أنْ يقُولَ أحَدُكم : اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إلاَّ طَيْرُكَ، ولا خَيْرَ إلاَّ خَيْرُكَ، وَلاَ إله غَيرُك، ثُمَّ يمضي إلى حاجته " قوله ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾.
لَمَّا حكى عنهم أوَّلاً أنَّهم بجهلهم أسْنَدُوا الحوادث إلى قضاء اللَّه وقدره، حكى عنهم ثانياً نوعاً آخر من الجهل والضَّلالة، وهو أنَّهم لم يُميّزُوا بين المعجزاتِ والسّحر، وجعلوا آيات موسى مثل انقلاب العَصَا حَيَّة.
وقالُوا ذلك من باب السِّحر فلا يقبلُ منها شيء.
" مَهْمَا " اسمُ شرطٍ يجزم فعلين كـ " إنْ " هذا قولُ جمهور النُّحَاةِ، وقد تأتي للاستفهام وهو قليلٌ جداً.
كقوله :[الرجز] ٢٥٥٤ - مَهْمَا لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْمَا لِيَهُ ؟
أوْدَى بِنَعْلَيَّ وسِربَالِيَهْ
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٧٤
يريد : ما لي اللِّيلة مالي ؟ والهاءُ للسَّكت.
وزعم بعض النُّحاة أنَّ الجازمةَ تأتي ظرف زمان ؛ وأنشد :[الطويل] ٢٥٥٥ - وإنَّكَ مَهْمَا تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤلَهُ
وَفَرْجَكَ نَالا مُنْتَهَى الذَّمِّ أجْمَعَا
وقول الآخر :[الكامل] ٢٥٥٦ - عَوَّدْتَ قَوْمَكَ أنَّ كُلَّ مُبَرَّزٍ
مَهْمَا يُعَوَّدْ شِيَمةً يتَعَوَّدِ
٢٧٩
وقول الآخر :[الكامل] ٢٥٥٧ - نُبِّئْتُ أنَّ أبَا شُتَيْمٍ يَدَّعِي
مَهْمَا يَعِشُ يَسْمَعْ بمَا لَمْ يَسْمَعِ
قال : فـ " مَهْمَا " هنا ظرف زمان، والجمهور على خلافه، وما ذكره متأوّل، بل بعضُهُ لا يظهر فيه للظَّرفية معنى، وشنَّع الزمخشري على القائل بذلك.
فقال : وهذه الكلمة في عداد الكلمات الَّتي يُحَرِّفُهَا مَنْ لا يدّ له في علم العربية، فيضعها في غير موضعها ويحسب " مَهْمَا " بمعنى " متى ما ".
ويقولُ : مَهْمَا جئتني أعطيتك، وهذا من كلامِهِ، وليس من واضع العربية، ثم يذهبُ فيفسِّر :﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾ [الأعراف : ١٣٢] بمعنى الوقت، فَيُلْحد في آيات اللَّهِ، وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مِمَّا يُوجب الجُثُوَّ بين يدي النَّاظر في كتاب سيبويه.
قال شهابُ الدِّين : هو معذورٌ في كونها بمعنى الوقت، فإن ذلك قولٌ ضعيفٌ، لم يَقُلْ به إلاَّ الطَّائفة الشَّاذَّةُ.
وقد قال جمال الدِّين بْنُ مالكٍ : جميع النَّحويين يقول إنَّ " مَهْمَا " و " مَا " مثل " مَنْ " في لزوم التَّجرُّدِ عن الظَّرف، مع أنَّ استعمالها ظرفين ثابتٌ في أشعار فصحاء العرب.
وأنشد بعض الأبْياتِ المتقدمة وكفى بقوله جميع النَّحويين دليلاً على ضَعْف القول بظرفيتهما.
وهي اسمٌ لا حرفٌ، بدليل عَوْد الضَّمير عليها، ولا يعودُ الضَّمير على حرف ؛ لقوله :﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ﴾ فالهاءُ في " بِهِ " تعود على " مَهْمَا " وشَذَّ السُّهيليُّ فزعم أنَّهم قد تأتي حرفاً.
واختلف النَّحويون في " مَهْمَا " هل هي بسيطة أو مركبة ؟ والقَائِلُونَ بتركيبها اختلفوا : فمنهم مَنْ قال : هي مركبة مِنْ " مَا مَا " كُرِّرَتْ " ما " الشَّرطيَّة توكيداً، فاستثقل توالي لفظين فأبْدِلَت ألف " ما " الأولى هاء.
وقيل : زيدت " ما " على " ما " الشَّرطية، كما يُزَادُ على " إنْ " " ما " في قوله :" فَإمَّا يَأتينَّكُم ".
فَعُمِلَ العمل المذكور للثقل الحاصل، وهذا قولُ الخليل وأتباعه من أهل البصرة.
وقال قَوْمٌ : هي مركبة من مَهْ التي هي اسم فعلٍ بمعنى الزَّجْر، و " مَا " الشَّرطيَّة ثم رُكِّبت الكلمتان فصارا شَيْئاً واحداً.
وقال بعضهم : لا تركيب فيها هنا، بل كأنَّهُم قالوا له مَهْ، ثم قالوا ﴿مَا تَأْتِنَا بِهِ﴾ ويُعْزَى هذان الاحتمالان للكسائيِّ.
٢٨٠
قال شهابُ الدِّين :" وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنَّ ذلك قد يأتي في موضع لا زَجْرَ فيه، ولأنَّ كتابتها متصلة ينفي كون كلٍّ منهما كلمةً مستقلة ".
وقال قومٌ : إنَّهَا مركَّبةً من " مَهْ " بمعنى اكفف و " مَن الشَّرطيَّةِ " ؛ بدليل قول الشاعر :[الطويل] ٢٥٥٨ - أماوِيَّ مَهْمَنْ يَسْتَمِعْ في صديقِهِ
أقَاوِيلَ هذا النَّاسِ مَاوِيَّ يَنْدَمِ
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٢٧٤