وروي برفع " النَّاس، والجامل " وجرِّهما، هذا إذا أمكن الإعمالُ، إمَّا إذَا لم يمكن تَعَيَّنَ أن تكونَ كافَّةً كهذه الآية، إذا قيل : بأن " ما " زائدة.
الثالثُ : أن تكون " ما " بمعنى " الذي "، و " لَهُمْ " صلتها، وفيه حينئذٍ ضميرٌ مرفوعٌ مستتر، و " آلهة " بدلٌ من ذلك الضَّمير، والتَّقديرُ : كالذي استقَرَّ هو لهم آلهة.
وقال أبُو البقاءِ - في هذا الوجه - : والعَائِدُ محذوفٌ، و " آلهة " بدلٌ منه، تقديره : كالَّذِي هُوَ لهُم وتَسْميتُهُ هذا حَذْفاً تَسَامحٌ، لأنَّ ضمائرَ الرفع إذا كانت فاعلةٌ لا تُوسف بالحذف، بل بالاستتار.
قوله إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ.
هؤلاءِ إشارة لِمَنْ عَكَفُوا على الأصنام، ومُتَبَّرٌ فيه وجهان : أحدهما : أن يكون خبراً لـ " إنَّ " و " مَا " موصولةٌ بمعنى " الَّذي " وهُمْ فِيهِ جملةٌ اسميةٌ صلةٌ وعائده، وهذا الموصولُ مرفوعٌ باسم المفعول فتكون قد أخْبَرْتَ بمفرد رفعت به سَبَبّاً.
والثاني : أن يكون الموصولُ مبتدأ، ومُتَبَّرٌ خبره قُدِّم عليه، والجملةُ خبرٌ لـ " إنَّ ".
قال الزخشريُّ : وفي إيقاع " هؤلاء " اسماً لـ " إنَّ "، وتقديمُ خبر المبتدأ من الجملة الواقعةِ خبراً لها وسمٌ لعبدة الأصنام بأنَّهم هم المُعَرَّضُونَ للتَّبَار، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُم
٢٩٤
ألْبتَّة، وأنَّهُ لهم ضربةُ لازم، ليحذِّرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحَبُّوا.
قال أبُو حيَّان :" ولا يتعيَّنُ ما قاله من تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لـ " إنَّ "، لأنَّ الأحْسَنَ في إعراب مثل هذا أن يكونُ مُتَبَّرٌ خبراً " إنَّ " وما بعده مرفوعٌ " فذكر ما قرَّرْتُهُ، ونظَّره بقولك :" إنَّ زَيْداً مضروبٌ غلامُهُ ".
قال : فالأحْسَنُ أن يكون " غلامه " مرفوعاً بـ " مضروب "، ثم ذكر الوجه [الثاني] وهو أن يكون " مُتَبَّرٌ " خبراً مقدماً من الجملة، وجعله مرجوحاً.
وهو كما قال، لأنَّ الأصلَ في الأخبارِ أن تكون مفردةً، فما أمكن فيها ذلك لا يُعْدل عنه، إلا أنَّ الزمخشريَّ لم يذكر ذلك على سبيل التَّعيين، بل على أحد الوجهين وقد يكونُ هذا عنده أرجحَ من جهة ما ذكر من المعنى، وإذا دار الأمر بين مُرَجِّح لفظيّ، ومُرَجِّح معنويٍّ فاعتبارُ المعنويِّ أولى، ولا أظُنُّ حَمَلَ الزمخشري على ذلك إلا ما ذكرت.
وقوله ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ كقوله ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ من جواز الوجهين وما ذُكِر فيهما.
والتَتْبيرُ : التَّكسير، والتَّحطيم.
والبطلان قيل : عدم الشَّيءِ إمَّا بعد ذاته، وإما بعدم فائدته ومقصوده.
قوله :" أغَيْرَ اللَّهِ " الهمزةُ للإنكار، والتَّوبيخِ، وفي نَصْبِ غير وجهان : أحدهما : أنَّه مفعولٌ به لـ " أبْغِيكُمْ " على حذفِ اللاَّمِ، تقديره : أبغي لكم غير اللَّهِ، أي : أطلُبُ لكم فَلَمَّا حذف الحرف، وصل الفعل بنفسه، وهو غيرُ منقاص، وفي إلهاً على هذا وجهان : أظهرهما : أنَّهُ تمييز لـ " غير "، والثاني : أنَّهُ حالٌ، ذكره أبو حيان وفيه نظر.
والثاني : من وجهي " غير " : أنَّهُ منصوب على الحال من إلهاً وإلهاً هو المفعول به لـ " أببْغِيكُمْ " على ما تقرَّرَ صفةُ النَّكرةِ عليها نُصِبتْ حالاً.
وقال ابنُ عطيَّة : و " غير " منصوبة بفعل مضمر، وهذا هو الظَّاهِرُ، ويجوزُ أن يكون حالاً.
وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجةَ إليه فإن أرَادَ أنَّهُ على الاشتغال فلا يَصِحُّ ؛ لأنَّ شرطهُ أن يعمل المفسِّر في ضميرِ الأوَّل، أو سببه.
قوله :" أبْغِيكُمْ " قال الواحديُّ.
يقال : بَغَيْتُ فلاناً شيئاً وبغيتُ له.
قال تعالى :﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة : ٤٧] أي : يبغون لكم.
والمعنى : أطلبُ لكم غير اللَّه معبوداً.
٢٩٥


الصفحة التالية
Icon