وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما اتلفت الماشية ليلاً كان أو نهاراً.
فصل قال أبو بكر الأصم : إنهما لم يختلفا في الحكم ألبتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم على لسان سليمان.
والصواب أنهما اختلفا، ويدل على إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وأيضاً قوله تعالى :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، ثم قال :﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ والفاء للتعقيب، فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا الفهم، وذلك الحكم السابق إن اتفقا فيه لم يبق لقوله ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فائدة.
وإن اختلفا فيه فهو المطلوب.
فصل احتج الجبائي على أنّ الاجتهاد غير جائز من الأنبياء بوجوه : الأول : قوله تعالى :﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس : ١٥] وقوله :﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ [النجم : ٣].
الثاني : أنّ الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على اليقين، فلا يجوز المصير إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز الاجتهاد.
الثالث : لو جاز له الاجتهاد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، فلما وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دلّ على أنّ الاجتهاد غير جائز عليه.
الرابع : أنّ الاجتهاد إنما يصار إليه عند فقد النص، وفقد النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد.
الخامس : لو جاز الاجتهاد من الرسول أيضاً من جبريل، وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله أم من اجتهاد جبريل ؟ وأجيب عن الأول : أنّ الآية واردة في إبدال آية بآية، لأنه عقيب قوله :﴿قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـاذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس : ١٥] ولا مدخل للاجتهاد في ذلك.
٥٥٣
وأما قوله :﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ [النجم : ٣] فمن جوَّز له بالاجتهاد يقول إنّ الذي اجتهد فيه هو عن وحي على الجملة، وإن لم يكن ذلك على التفصيل، وأيضاً فالآية واردة في الأداء عن الله لا في حكمه الذي يكون بالعقل.
وعن الثاني : أنَّ الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بمثل ذلك الحكم، فههنا الحكم مقطوع به، والظن غير واقع فيه بل في طريقه.
وعن الثالث : لعله - عليه السلام - كان ممنوعاً عن الاجتهاد في بعض الأنواع، أو كان مأذوناً له مطلقاً، لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد فتوقف.
وعن الرابع : لِمَ لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد.
وعن الخامس : أن هذا الاحتمال مدفوع بإجماع الأمة على خلافه.
ثم الذي يدل على جواز الاجتهاد لهم وجوه : الأول : أنه - عليه السلام - إذا غلب على ظنه أنَّ الحكم في الأصل معلّل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بُدَّ وأن يغلب على ظنه أنَّ حكم الله في هذه الصورة مثل ما في الأصل كقوله - عليه السلام -.
" أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ ".
الثاني : قوله تعالى :" فَاعْتَبِرُوا " أمر الكل بالاعتبار، فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل، وإلا لكان كل واحد من المجتهدين أفضل منه في هذا الباب.
فإن قيل : إنما يلزم لو لم يكن درجته أعلى من الاعتبار، وليي الأمر كذلك لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد (قصاراه الظن.
فالجواب : لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يكن من أجل
٥٥٤
الاجتهاد) لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه تعرف ذلك الحكم من الاجتهاد، وأيضاً فقد تقدم أن الله لما أمره بالاجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع.
الرابع : قوله - عليه السلام - " العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ " فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الاجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك.
الخامس : قوله تعالى :﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة : ٤٣] فذاك الإذْنُ إن كان بإذن الله - تعالى - استحال له " لِمَ أَذِنْتَ " وإن كان بهوى النفس فهو جائز.
وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب.
فصل قال الجبائي : لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء ففي هذه المسألة لا نجوزه لوجوه : أحدها : أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من دّر صواباً لزم أن لا ينقض لأنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ وجب أن يبين الله توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء - عليهم السلام -، فلما مدحهما بقوله :﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ دَلَّ على أنه لم يقع الخطأ من داود عليه السلام.
وثالثها : لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لكن الله تعالى قال :﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
ورابعها : كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد مع قوله :﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾.
وأجيب عن الأول : بأنَّ الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجِعَالاَت، وحكم المصرّاة.
٥٥٥


الصفحة التالية
Icon