و " المفسدون " خبره، والجملة خبر بـ " إن ".
وعلى القولين الأوّلين يكون " المفسدون " وحده خبراً لـ " إن "، وجيء في هذه الجملة بضروب من التأكيد منها : الاستفتاح والتنبيه، والتَّأكيد بـ " إن "، والإتيان بالتأكيد، والفَصْل بالضَّمير، وبالتعريف في الخبر مبالغةً في الرد عليهم فيما ادّعوا من قولهم :" إنما نحن مُصْلِحُون " ؛ لأنهم أخرجوا الجواب جملةً اسميةً مؤكدةً بـ " إنما " ليدلّوا بذلك على ثُبُوت الوَصْفِ لهم، فرد الله عليهم بأبلغ وآكد مما ادعوه.
وقوله :﴿وَلَـاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ الواو عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها.
و " لكن " معناها الاستدراك، وهو معنى لا يُفَارقها، وتكون عاطفةً في المفردات، ولا تكون إلاّ بين ضدّين، أو نقيضين، وفي الخلافين خلاف، نحو :" ما قام زيد لكن خرج بكر "، واستدلّ بعضهم على ذلك بقوله طَرَفَةَ :[الطويل] ٢٠١ - وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ لِبَيْتِهِ
وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمَ أرفِدِ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٤٦
فقوله :" متى يسترفد القوم أرفد " ليس ضدًّا ولا نقيضاً لما قبله، ولكنه خلافه.
قال بعضهم : وهذا لا دليل فيه على المدّعى، لأن قوله :" لستُ بحلاّل التِّلاعِ لبيته " كنايةٌ عن نفي البُخْلِ أي : لا أحلّ التِّلاَع لأجل البُخْل.
٣٥٣
وقوله :" متى يسترفد القوم أرفد " كناية عن الكَرَمِ، فكأنه قال : لست بخيلاً ولكن كريماً، فهي - هاهنا - واقعة بين ضدّين.
ولا تعمل مخففة خلافاً لـ " يونس "، ولها أحكام كثيرة.
ومعنى الاسْتِدْرَاك في هذه الآية يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك أنهم لما نهوا عن اتخاذ مثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد، فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك، وأخبر - تعالى - بأنهم هم المفسدون كانوا حقيقين بأن يعملوا أن ذلك كما أخبر - تعالى - وأنهم لا يدعون بأنهم مصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فَاتَهُمْ من عدم الشعور بذلك.
ومثله قولك :" زيد جاهل، ولكن لا يعلم "، وذلك لأنه من حيث اتّصف بالجهل، وصار الجهل وصفاً قائماً به كان ينبغي أن يعلم بهذا الوَصْف من نفسه ؛ لأن الإنسان له أن يعلم ما اشتملت عليه نفسه من الصفات، فاستدركت عليه أنَّ هذا الوصف القائم له به لا يعلمه مُبَالغة في جهله.
ومفعول " يشعرون " محذوف : إمّا حذف اختصار، أي : لا يشعرون بأنهم مفسدون، وإما حذف اقتصار، وهو الأحسن، أي : ليس لهم شعور ألبتة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٤٦
الكلام عليها كالكلام على التي قبلها.
و " آمنوا " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع لقيامها مقام الفاعل على ما تقدم في ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة : ١١] والأقوال هناك تعود هُنَا.
والكاف في قوله " كما آمن " في محلّ نصب.
وأكثر المعربين يجعلون نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير : آمنوا إيماناً كإيمان النَّاس، وكذلك يقولون في :" سير عليه حثيثاً " : أي سيراً حثيثاً وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوباً على الحال من المصدر والمضمر المفهوم من الفعل المتقدم.
٣٥٤
وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاَّ في مواضع محصورة، ليس هذا منها، فتلك المواضع : أن تكون الصفة خاصة بالموصوف، نحو :" مررت بكاتب ".
أو واقعة خبراً نحو :" زيد قائم ".
أنو حالاً نحو :" جاء زيد راكباً ".
أو صفة لظرف نحو :" جلست قريباً منك ".
أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يُقَاس عليه، نحو :" الأبْطَح والأَبْرَق " وما عدا هذه المواضع لا يجوز فيها حذف المَوْصوف ؛ ألا ترى أنَّ سيبويه منع لا ماء ولو بارداً، وإن تقدّم ما يدلُّ على الموصوف، وأجاز :" إلا ماء ولو بارداً " ؛ لأنه نصب على الحال.
و " ما " مصدرية في محل جَرّ بالكاف، و " آمَنَ النَّاسُ " صلتها.
واعلم أنَّ " ما " المصدرية توصَلُ بالماضي أو المضارع المتصرّف، وقد شَذَّ وصلها بغير المتصرف في قوله :[الطويل] ٢٠٢ -....................
بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الخِيَانَةِ، والغَدْرِ
وهل توصل بالجمل الاسمية ؟ خلاف، واستدل على جوازه بقوله :[الكامل] ٢٠٣ - وَاصِلْ خَلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ
فَلأَنْتَ أَوْ هُوَ عَنْ قَلِيلٍ ذَاهِبُ
وقال الآخر :[البسيط] ٢٠٤ - أَحْلاَمُكُمْ لِسِقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ
كَمَا دِمَاؤُكُمُ تَشْفِي مِنَ الكَلَبِ
وقول الآخر :[الوافر] ٢٠٥ - فإِنَّ الحُمْرَ مِنْ شَرِّ المَطَايَا
كَمَا الحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمِ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٥٤
٣٥٥
إلاّ أن ذلك يكثر فيها إذا أفهمت الزمان ؛ كقوله :[الكامل] ٢٠٦ - وَاصِلْ خَلِيلَكَ...........
....................


الصفحة التالية
Icon