وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ورواها المفضَّل عن عاصم - بفتح الياء على بنائه للفاعلن ومعناه : يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ، قاله الزمخشريُّ.
ويُحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازةٍ، فقال له رجلٌ : من المتوفِّي ؟ بكسر الفاء، فقال : الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على أن أمره بوضع كتابٍ في النَّحو.
وقد تقدَّم البحث في قوله تعالى :﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُواءٍ﴾ [البقرة : ٢٢٨] وهل " بِأَنْفُسِهِنَّ " تأكيدٌ أو لا ؟ وهل نصبُ " قُرُوء " على الظرف، أو المفعوليَّة ؟ وهو جارٍ ها هنا.
قوله :﴿مِنكُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من مرفوع " يتَوَفَّوْنَ " والعامل فيه محذوفٌ، تقديره : حال كونهم منكم، و " مِنْ " تحتمل التبعيض وبيان الجنس والأزواج ها هنا.
فصل في معنى " التربص " و " التَّرَبُّصُ " : التأنِّي والتصبُّر عن النِّكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح بألاَّ تفارقه ليلاً، ولم يذكر الله تعالى السُّكنى للمتوفَّى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلَّقة بقوله :﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق : ٦]، وليس في لفظ العدَّة في القرآن ما يدلُّ على الإحداد وإنما قال :" يَتَرَبَّصْنَ " فبينت السُّنَّة جميع ذلك.
١٩٠
قوله :﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ إنما قال " عَشْراً " من غير تاء تأنيثٍ في العدد والمراد عشرة أيام ؛ لوجوه : الأول : أنَّ المراد " عَشْرَ لَيَالٍ " مع أيامها، وإنما أوثرت الليالي على الأَيام في التاريخ لسبقها ؛ قال الزمخشريُّ :" وقيل " عَشْراً " ذهاباً إلى الليالي، والأيام داخلةٌ فيها، ولا تراهم قطُّ يستعملون التذكير ذاهبين فيه إلى الأيام، تقولك " صُمْتُ عَشْراً "، ولو ذكَّرْت خرجت من كلامهم، ومن البيِّن قوله تعالى :﴿إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه : ١٠٣]، ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ [طه : ١٠٤].
الثاني : قال المبرِّد : إنَّ حذف التاء ؛ لأجل أنَّ التقدير عشر مددٍ كلُّ مدة منها يومٌ وليلةٌ، تقول العرب :" سِرْنَا خَمْساً " أي : بين يوم وليلة ؛ قال :[الطويل] ١١٣٣ - فَطَافَتْ ثَلاَثاً بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
وَكَانَ النَّكِيرُ أَنْ تُضِيفَ وَتَجْأَرَا
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٨٨
والثالث : أنَّ المعدود مذكَّرٌ وهو الأيام، وإنما حذفت التاء ؛ لأنَّ المعدود المذكر، إذا ذكر وجب لحاق التاء في عدده ؛ قالوا " صُمْنَا خَمْسَةَ أَيَّام "، وإذا حذف لفظاً، جاز في العدد الوجهان : ذكر التاء وعدمها، حكى الكسائيُّ :" صُمْنَا مِنَ الشَّهْرِ خَمْساً "، ومنه الحديث :" وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ "، وقال الشاعر :[الطويل] ١١٣٤ - وَإِلاَّ فَسِيرِي مِثْلَ مَا سَارَ رَاكِبٌ
تَيَمَّمَ خَمْساً لَيْسَ فِي سَيْرِهِ أَمَمْ
نصَّ النحويون على ذلك.
قال أبو حيَّان :" فَلا يُحْتَاجُ إلى تأويلها بالليالي ولا بالمدد ؛ كما قدَّره الزَّمخشريُّ والمُبَرِّد على هذا "، قال :" وإذا تقرر هذا، فجاء قوله :" وَعَشْراً " على أحد الجازئين، وإنما حسن حذف التاء هنا ؛ لأنه مقطع كلام، فهو شبيهُ بالفواصل ؛ كما حسَّن قوله :﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه : ١٠٣] كونه فاصلةً، فقوله :" ولو ذَكَّرْتَ لَخَرجْتَ من كَلاَمِهِمْ " ليس كما ذكر، بل هو الأفصح، وفائدة ذكره " إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً " بعد قوله " إِلاَّ عَشْراً " أنه على زعمه أراد الليالي، والأيام داخلةٌ معها، فقوله :" إِلاَّ يَوْماً " دليلٌ على إرادةِ الأيَّام ".
قال أبو حيان :" وهذا عندنا يدلُّ على أنَّ المراد بالعشر الأيَّام ؛ لأنهم اختلفوا في مدَّة اللَّبث، فقال بعضهم :" عَشْراً " وقال بعضهم :" يَوْماً " فدلَّ على أنَّ المقابل باليوم إنما هو أيام ؛ إذ لا يحسن في المقابلة أن يقول بعضهم : عَشْرُ لَيَالٍ، فيقول البعضُ : يَوْمٌ ".
الرابع : أنَّ هذه الأيَّام [أيَّام حزن ومكروه، ومثل هذه الأيَّام] تسمَّى بالليالي على
١٩١


الصفحة التالية
Icon