يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿و﴾ اذكروا ﴿إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ حرصاً على الدنيا ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ أي : تدافعتم في شأنها، كل قرية تدفع عنها، ﴿والله﴾ تعالى ﴿مُخْرِجٌ﴾ ومبين ﴿مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من القتل، ومن قتله، ﴿فَقُلْنَا﴾ : اضربوا القتيل أو قبره ﴿بِبَعْضِهَا﴾ قيل : اللسان، وقيل القلب، وقيل : الفخد أو الذنب، فضربوه فحيى، وأخبر بقاتله كما تقدم، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي : كما أحيا هذا القتيل، ﴿يُحْيِي الله الموتى﴾ من قبورها ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾
٩٧
الدالّة على قدرته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحد يقدر على إحياء الأنفس كلها.
واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء، وهي قبول قول القتيل قبل موته بأن فلاناً قتله، وفيه نظر ؛ لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب، واستدلت أيضاً على حرمان القتل من الإرث، وفيه نظر ؛ لأن هذه شريعة من قبلنا يتطرقها النسخ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث. والله تعالى أعلم.
الإشارة : إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها، فمن تردد منهم في فعل ما تموت به نفسه، كان ذلك دليلاً على قلة صدقه وضعف نهايته، ومن بادر منها إلى قتلها دلّ على صدقه وفلاحه ونجح نهايته، فإذا ماتت النفس بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة، فلا موت بعدها أبداً، قال تعالى :﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدّخَان : ٥٦]، وأما الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام، ومن وطن ضيق إلى وطن واسع، وأنشدوا :
لا تظُنُّوا الموتَ موتاً إنهُ
لَحَيَاةٌ، وَهْو غايةُ المنَى
لا تَرُعْكُم هَجْمَةُ الموتِ فَما
هُو إلا انْتِقَالٌ مِنْ هنَا
فاخْلَعُوا الأجْسَادَ مشنْ نفُسِكُم
تُبْصِرُوا الحقَّ عيَاناً بَيِّنَا
جزء : ١ رقم الصفحة : ٩٧