﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب﴾ وهو الفداء ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو القتل والإخراج ؟ ﴿فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ﴾ أي : ذل وهوان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وهو السبي والقتل لبني قريظة، والجلاء والإخراج من الوطن لبني النضير، أو الذل والجزية للفريقين إلى يوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾. وليس ما أصابهم تكفيراً لذنوبهم، بل نقمة وغضباً عليهم، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
الإشارة : الناس على قسمين : قوم ضعفاء تمسكوا بظاهر الشريعة ولم ينفذوا إلى باطنها، ولم يقدروا على قتل نفوسهم، ولا على الخروج من وطن عوائدهم، فيقول لهم الحق جلّ جلاله : لا تسفكوا دماءكم في محبتي ؛ لأنكم لا تقدرون على ذلك، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم في سياحة قلوبكم، فقد أقررتم بعجزكم وضعفكم، ويقول للأقوياء : ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم في طلب معرفتي، وتخرجون فريقاً منكم من ديار عوائدهم في طلب مرضاتي، تتعاونوا على نفوسكم بالقهر والغلبة، وكذلك ورد في بعض الأخبار :(أول ما يقول الله للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك، فإن قال : لا، ما أريد إلا أنت، قال له : من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ، ورفع الحدث، وإثبات القدم، وذلك يوجب العدم) وأنشدوا :
منْ لَم يَكُن فَانِياً عَنْ حَظِّهِ
وَعِنِ الفَنَا والأُنسِ بالأحْبَابِ
فلأَنَّهُ بَيْنَ المنَازِل واقفٌ
لِمنَالِ حَظّ أَوْ لُحُسْنِ مَآبِ
١٠٦


الصفحة التالية
Icon