الإشارة : إذا أمر الدعاة إلى الله أهل الدنيا بذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، ليتأهلوا به لدخول حضرة القدوس، أو أمروهم بخرق العوائد، لتخرق لهم العوائد، أنفوا وعنفوا وقالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، فيقال لهم : بل سبق لكم من الله البعد والحرمان، فأنكرتم أسباب الشهود والعيان، لكن مَن سبقت له من الله العناية، وهبَّ عليه نسيم الهداية، فلا تضره الجناية، فقد يلتحق بالخصوص، وإن كان من أعظم اللصوص، وهو قليل بالنسبة إلى من جاهد نفسه في طلب السبيل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ [الكهف : ٤٥].
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٨
قلت :﴿لمَّا﴾ حرف وجود لوجود إذا وليها الماضي، ولها شرط وجواب، وهو هنا محذوف دلّ عليه جواب ﴿لما﴾ الثانية، أي : ولما جاءهم كتاب من عند الله كفروا به، أو ﴿لما﴾ الثانية تأكيد للأولى. والجواب :﴿كفروا به﴾، أو فلما وجوابها جواب الأولى، كقوله :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ...﴾ [طه : ١٢٣] الآية، و ﴿يستفتحون﴾ ينتصرون، وفي الحديث :" أن النبيّ ﷺ كان يَستَفْتِحُ بِصعَالِيكِ المُهَاجِرينَ "، الذين لا مال لهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي : اليهود، القرآن مصدقاً ﴿لِّمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة، أي : موافقاً له وشاهداً له بالصحة، وقد كانوا قبل ظهوره يستنصرون على أعدائهم بالنبيّ الذي جاء به، فيقولون : اللهم انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر
١٠٩