واعلم أن الناس، في طول الأمل وقصره، على قسمين : منهم من طوّل في أمله فازداد في كسله، ودخله الوهن في عمله، وآخر قد قصر أملُه وجعل التقوى بضاعته، والعبادة صناعته، ولم يتجاوز بأمله ساعته، ومثل هذا قد رفع التوفيق عليه لواءه، وألبسه رداءه، وأعطاه جماله وبهاءه، فانظر رحمك الله أيّ الرجلين تريد أن تكون، وأي العملين تريد أن تعمل، وبأي الرداءين أن تشتمل ؟ فلست تلبس هناك إلا ما تلبس هنا. وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١١٥
قلت :﴿من﴾ شرطية وجوابها محذوف، أي : فليمت غيظاً، أو ﴿فإنه نزله﴾ على معنى : مَن عادى منهم جبريل فقد خلع ريقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب ؛ لأنه نزل بكتاب مصدقاً لما قبله من الكتب، وجبريل فيه ثماني لغات، أربع قرئ بهن. وهي : جَبْرَئِيل كسلسبيل. وجَبْرَئِل كجحْمرش، وجَبْريل - بفتح الجيم - بلا همز، وجِبْرِيل بكسرها، وأربع شواذ : جِبْرَالُ، وجَبْرَائِيل، وجَبْرِائل، وجَبْرين بالنون، ومعناه : عبد الله. وفي ميكائيل أربع لغات : مكيائيل ممدود، وميكائل مقصور، وميكئل مهموز مقصور، وميكال على وزن ميعاد.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في الرد على اليهود، كابن صُوريا وغيره، حيث قالوا للنبيّ ﷺ : من الذي يأتيك بالوحي ؟ فقال :" جبريل "، فقالوا : ذلك عدونا من الملائكة ؛ لأنه ينزل بالشدة والعذاب، ولو كان ميكائيل لاتبعناك ؛ لأنه ينزل بالخصب والسلم، فقال تعالى :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْريلَ﴾ فليمت غيظاً، فإنه هو الذي نزَّل القرآن ﴿عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب، وهداية ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فإن كان ينزل بالشدة والعذاب على الكافرين، فإنه ينزل بالهداية والبشارة على المؤمنين.


الصفحة التالية
Icon