وتمام قصتهما : أنهما لما قارفا الذنب وجاء المساء همّا بالصعود، فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما، فقصدا إدريس عليه السلام، فأخبراه، وسألاه الشفاعة إلى الله تعالى فشفع فيهما، فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعه، فهما يعذبان في بئر ببابل، منكسان معلقان بالسلاسل من أجر لهما، مزرقة أعينهما، ليس بينهما وبين الماء إلا قدر أربعة أصابع، وهما يعذبان بالعطش. هـ. فإن قلت : الملائكة معصومون فكيف يصح هذا من هاروت وماروت ؟ قلنا : لما ركب الله فيهما الشهوة النسلخا من حكم المَلَكيَّة إلى حكم البشرية ابتلاء من الله تعالى لهما، فلم يبق لهما حكم الملائكة من العصمة. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدِ﴾ السحر حتى ينصحاه ويقولا :﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ لكم، واختبار من الله تعالى لعباده، ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر، وكان تعلمه في ذلك الوقت كفراً، فيقولان له :﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بتعلُّمه، فكانوا يتعلمون ﴿مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ وقدرته، فلا تأثير لشيء إلا بإذن
١٢١
الله، ويتعلمون منهما ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿وَلا يَنفَعُهُمْ﴾، ولقد علم بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب الله والعلم بما فيه ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ﴾ نصيب، ﴿وَلَبِئْسَ﴾ ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفر والسحر، لأثيبوا ثواباً كبيراً، وكان ذلك خيراً لهم ما استوجبوه من العقاب ﴿لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.