وأيُّ الدهر ذُو لَمْ يَحْسُدُوني
وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٢٣
قلت : النسخ في اللغة يطلق على معنيين ؛ أحدهما : التغيير والتحويل، يقال : مسخه الله قرداً ونسخه. قال الفراء : ومنه نسخ الكتاب، والثاني : بمعنى رفع الشيء وإبطاله. يقال : نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ، أي : ذهبت به وأبطلته، وهو المراد هنا.
والإنساء هو الترك والإذهاب، والنساء هو التأخر. و ﴿مَا﴾ شريكة منصوبة بشرطها مفعولاً به. و ﴿نَأْتِ﴾ جوابها.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في الرد على اليهود حيث قالوا : انظروا إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، فأجاب الله عنهم بقوله :﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي : نزيل لفظها أو حكمها أو هما معاً، ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ في الخفة أو في الثواب، ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ من قلب النبيّ - عليه الصلاة والسلام - بإذن الله، أو نتركها غير منسوخة، أو نؤخر إنزالها أو نسخها. باعتبار القراءات، ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلَهَا أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ اللّهَ عَلَى
١٢٤
كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ﴾ لا يعجزه نسخ ولا غيره ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ﴾ يتصرف فيهما كيف يشاء، لا راد لما قضى ولا مُعقِّب لما حكم به وأمضى، ينسخ من شرائع أحكامه ما يشاء، يثبت فيها ما شاء، بحسب مصالح العباد، وما تقضيه الرأفة والوداد.
وهو جائز عقلاً وشرعاً، فكما نسخت شريعتهم ما قبلها نسخها ما بعدها، فمن تحكم على الله، أو رد على أصفياء الله ممن اطصفاهم لرسالته، فليس له ﴿مِّن دُونِ اللّه مِن وَلِيٍّ﴾ يمنع من عذاب الله، ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ينصره من غضب الله.