قال بعض العارفين :(لي أربعون سنة ما أقامني الحق في شيء فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته). بخلاف السفهاء من الجهال، فشأنهم الإنكار عند اختلاف الأحوال، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب، قالوا : ما ولاَّه عن حاله الذي كان عليه ؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد عليه، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال، قالوا : قد انحط عن مراتب الرجال. وهو إنما زاد في مراتب الكمال. فالملك كله لله، يهدي مَن يشاء إلى الصراط مستقيم، ويضلّ مَن يشاء بعدله الحكيم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٤٧
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً...﴾ قلت :﴿الوسط﴾ هو العدل الخيّر الفاضل، وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة ؛ لوقعوها بين طرفي
١٤٨
إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها مستوياً فيه الواح والجمع، والمذكر والمؤنث. قاله البيضاوي.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وكما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم، وجعلنا قبلتكم أفضل الجهات، جعلناكم أمة أفضل الأمم، خياراً عدولاً مزكَّين بالعلم والعمل، لتصلحوا للشهادة على غيركم، فتكونوا يوم القيامة ﴿شهداء على الناس﴾، ويزكيكم نبيكم فيشهد بعدالتكم.
قال البيضاوي : رُوِيَ (أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيُطالبُهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم، إقامة للحجة على المنكرين، فيُؤتَى بأُمة مُحَمّدٍ ﷺ فيشهدُون، فتقُول الأمم : مِنْ أَيْنَ عرفتُمْ ؟ فيقولُون : عَلِمْنَا ذلك بإخْبَار الله في كِتَابِهِ النَّاطِقِ عَلَى لسانِ نبيه الصَّادِقِ. فيُؤتى بمحمَّدٍ ﷺ فَيُسألُ عن حَالِ أُمته فَيشْهَدُ بعَدَالتِهمْ).


الصفحة التالية
Icon