يقول الحقّ جلّ جلاله : وما نسخنا حكم القبلة وجعلناها الجهة التي كنت عليها بمكة دون التي كانت بالمدينة، وهي بيت المقدس، ﴿إلا لنعلم﴾ علم ظهور وشهادة ﴿من يتبع الرسول﴾ في التحويل إليها ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ لضعف إيمانه وقلة إيقانه، فإن التحويلة عن القبلة الأولى والرجوع إلى الثانية شاق على النفوس، إلا من سبقت له الهداية وحفت به الرعاية، فإنه يدور مع مراد الله أينما دار، ويتبع رسوله أينما سار. ومن مات قبل التحويل إلى الكعبة فإن الله لا يضيع أجر عمله ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي : صلاتكم إلى بيت المقدس ؛ ﴿إن الله بالناس لروؤف رحيم﴾.
الإشارة : الخروج عن العادات وترك الأمور المألوفات كلاهما شاق على النفوس، إلا على الذين هدى الله، ولذلك كان خرق الوائد هو الفصل بين الخصوص والعموم، ومفتاح لمخازن العلوم والفهوم، فمن لم يخرق عوائد نفسه فلا يطمع أن يدخل حضرة قدسه. " كيف يخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". وهو الميدان الذي
١٥٠
تحقق به سير السائرين. " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". وهو عند شيوخ التربية ميزان يتميز به من يتبع الرسول ويلزم طريقه إلى الوصول، ممن ينقلب على عقبيه، فمن رأوه خرق عوائد نفسه، زهد في ملبسه وجنسه، تحققوا بدخوله حضرة قدسه، إلا مَن سبق له الحرمان والعياذ بالله من الخذلان، ومن رأوه وقف مع العادات، وركن إلى المألوفات، ومال إلى الرُّخَص والتأويلات، علموا أن مقامه مقام أهل الحجاب، يأخذ أجره من وراء الباب، ولا نصيب له في الدخول مع الأحباب.
وأيضاً عند تخالف الآثار وتنقلات الأطوار، يظهر الإقرار من الإنكار. أهلُ الإقرار عارفون في كل حال، يدورون مع رياح الأقدار حيث سارت، ويسيرون معها حيث سارت، وأهل الإنكار جاهلون بالله في كل حال، معترضون عليها عند اختلاف الأحوال، نعوذ بالله من الضلال.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٤٨