يقول الحقّ جلّ جلاله : ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ويوليها وجهه، أينما كان وحيثما حل، فأكثروا من الصلوات، واستقبلوا الخيرات قبل هجوم هادم اللذات، ﴿أينما تكونوا﴾ في مشارق الأرض ومغاربها، يأتكم الممات، ويأت بكم إلى المحشر حُفاة عراة، ولا ينفعكم حنيئذٍ إلا صالح عمل قدمتوه، أو فعل خير أسلفتموه، ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، فلا يعجزه بعث العباد، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد. وإذاعلمت أن لكل قوم جهة يستقبلونها، فمن ﴿حيث خرجت﴾ وفي أي
١٥٤
مكان حللت ﴿فولّ وجهك شكر المسجد الحرام﴾، والله ﴿إنه للحق من ربك﴾ فبادر إلى امثاله، ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ من خير أو شر، فيجازي كل واحد على ما أسلف.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥٤
ثم كرّر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها، فقال :﴿ومن حيث خرجت فوّل وجهك شطر المسجد الحرام﴾ وحيثما حللتم ﴿فولّوا وجوهكم شطره﴾. قال البيضاوي : كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل : تعظيم الرسول ﷺ بابتغاء مرضاته، وَجَرت العادة الإلهية على أن يُولِّي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحَرِيِّ أن يُؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. هـ.
ثم ذكر العلّة الثالثة وهي دفع الحجج المخالفين، فقال :
﴿... لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾