الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل للبشرية قُوتاً ونعيماً تتنعم به، وجعل للروح قوتاً ونعيماً تتلذذ به، فقُوت البشرية الطعام والشراب، ونعيمُها : الملابس والمَناكح والمَراكب. وقوت الروح : اليقين والعلوم والأنوار، ونعيمها : الشهود والاستصبار والترقي في المعارف والأسرار، فكما أن النفس تأكُل مما في الأرض حلالاً طيباً، كذلك الروح تأكل مما في الأرض حلالاً طيباً، إلا أن أكل النفس حِسّي، وأكل الروح معنوي، وهو التفكر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه :
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٢
الخَلْقُ نَوَّارٌ
وأنا رَعَيْتُ فيهمُ
هُمُ الحجابُ الأكبَرُ
والمَدخَلُ فِيهم
وقال الششتري رضي الله عنه :
عَينُ الزِّحامِ هُوَ
المَسِيرُ لِحَيّنَا
وكان شيخُ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول :(مَن أراد أن يذوق فليذهب إلى السوق). وذلك لأنه مظنة الزحام، وفيه عند الأقوياء الربح التام، فيقال لهم : يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية ؛ كلوا مما في الأرض بأرواحكم وأسراركم، شهوداً واعتباراً، حلالاً طيّباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتقفوا مع ظواهر الأكوان، فتُحجبوا عن الشهود والعيان، فإنه لكم في صورة العدو المبين، لكنه في الحقيقة يحشوكم إلى الرسوخ والتمكين، لأنه كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه، حتى يمكنكم من حضرته، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغُم قلوبكم، من مفارقة شهود الأحباب، والوقوف مِنْ وراء الباب، وأن تقولوا على الله ما ليس بحق ولا صواب، كثبوت السَّوي، أو الالتفات إلى الهوى. والله تعالى أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٢


الصفحة التالية
Icon