ثم أدغمت الراء في الراء بعد ذهاب حركتها، وقرأ أبو جعفر : بكسر الطاء حيث وقع : ووجهُه : نقل حركة الراء إلى الطاء، وأصل البغي : قصد الفساد، يقال : بغي الجرح بغياً، إذا ترامى إلى الفساد، ومنه قيل للزنا : بِغاء، وللزانية : بَغِيّ، وأصل العدوان : الظلم ومجاوزة الحد، يقال : عَدَا يعدُوا عُدواناً وعَدْواً.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا﴾ من لذيذ ﴿طيبات ما رزقناكم﴾ وَقِفُو عند ما حلَّ لكم ولا تحرموا برأيكم ما أحللنا لكم، كما فعل مَنْ سَلَفَ قبلكم،
١٧٥
﴿واشكروا﴾ نعمة الله عليكم الظاهرة والباطنة ﴿إن كنتم﴾ تخصُّونه بعبادتكم، فقد أحلّلْنا لكم جميع ما خلقنا لكم على وجه الأرض التي تُقِلكم.
﴿إنما﴾ حرمنا ﴿عليكم﴾ ما فيه ضررُكم كالميتة لخُبْثها، ﴿والدم﴾ لأنه يقسي قلوبكم، ﴿ولحم الخنزير﴾ لأنه يُورث عدم الغيرة، وما ذكر عليه غير اسم الله، وهو الذي ﴿أُهِلَّ به لغير الله﴾ أي : رُفع الصوت عند ذبحه لغير الله، وهو الصنم ﴿فمن اضطر﴾ وألجىء إلى شيء من هذه المحرمات، ﴿غير باغ﴾ أي : ظالم بأكلها اختياراً، ﴿ولا عاد﴾ متعدّ بتعدى الحلالَ إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها ﴿فلا إثم عليه﴾، ﴿أو غير باغ﴾ غير قاطع للطريق، ﴿ولا عاد﴾ : مفارقة للأمة خارج عن الجماعة، فمن خرج يقطع الرحم، أو يُخيف ابنَ السبيل، أو يُفسد في الأرض، أو أَبَق من سيده، أو فرَّ من غريمه أو عاصياً بسفره، واضطر إلى شيء من هذه، فلا تحلُّ له حتى يتوب ويأكل، ﴿فإن الله غفور رحيم﴾. وقال سهل بن عبد الله :﴿غير باغ﴾ : غير مفارق للجماعة ﴿ولا عاد﴾ : مبتدع مخالف للسنّة، فلم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات.