ذلك} - الذي شرعْتُ لكم من أمر العفو والديّة - ﴿تخفيف من ربكم ورحمة﴾ بكم، وقد كُتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى مطلقاً. وخيَّركم أيها الأمة المحمدية بين أخذ الديّة والقصاص. ﴿فمن اعتدى﴾ بعد أخذ الديّة وقَتَل ﴿فله عذاب أليم﴾ في الدنيا والآخرة، في الدنيا : بأن يُقتل لا محالة ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" لا أُعَافِي أحَداً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَة ". ﴿ولكم﴾ يا معشر المسلمين ﴿في﴾ تشريع ﴿القصاص حياة﴾ عظيمة في الدنيا، لانزجار القاتل إذا علَم أنه يُقتص منه، وقد كانوا يَقتُلون الجماعةَ في الواحد، فسلِموا من القتل بشروع القصاص، أو في الآخرة، فإن القاتل إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يؤخذْ به في الآخرة، فاعتُبِروا ﴿يا أولي الألباب﴾ أي : العقول الكاملة، ما في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، ﴿لعلكم تتقون﴾ الله في المحافظة على القصاص، والحكم به والإذعان له، أو تَكُفُّون عن القتل خوفاً من الله. الإشارة : كما جعل الله القصاص في الجناية الحسيّة، جعل القصاصَ في الجناية المعنوية، وهي الجنايةُ على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوةٌ أو زَلَّة، اقْتصَ الحقّ تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة : وتأمَّلْ قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطَمْته كَفٍّ من الهوى، وذهبت عينه، فقال : آه، فقيل له : لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. هـ. وقضية أبي تراب النخشبي : قال رضي الله عنه : ما تمنت نفسي شهوةً من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلّق بي، وقال : هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجلٌ منهم، وحملني إلى منزله، وقدَّم لي خبزاً وبيضاً، فقلت في نفسي : كُلْ بعد سبعين درة.
١٨١
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٨٠


الصفحة التالية
Icon