قال الحقّ تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ بدنس الهفوات، فمنعكم من مباشرة تلك العلوم الوهبيات، فلما عقدْتُم التوبة، وعزمتم على تركها، تاب عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروها، وابتغوا ما كتب الله لكم، من الوصول إلى معرفته، والعكوف في حضرة قُدسه، وكلوا من ثمرات تلك العلوم، واشربوا من خمرة الحيّ القيّوم، حتى يَطْلُعَ عليكم فجرُ الكشف والبيان، وتُشرق على قلوبكم شمسُ نهار العرفان، فحينئذٍ تَضْمَحِلُّ تلك العلوم، وتمحي تلك المعالم والرسوم. ولم يبقَ إلا الاستغراق في مشاهدة الحيّ القيّوم، فلا تباشروها وأنتم عاكفون في تلك المساجد. فمشاهدةُ وجهِ الحبيب تُغنْي عن مطالعة المعالم والمشاهد. تلك حدود الله فلا تقربوها، أي : لا تقفوا مع تلك العلوم وحلاوة تلك الرسوم ؛ فإنها تمنعكم من مشاهدة الحيّ القيّوم : كذلك يبن الله آياته الموضَّحة لطريق وصوله للناس، لعلهم يتقون مشاهد ما سواه. والله تعالى أعلم.
ولما أراد الحقّ أن يتكلم على الحج قدَّم الكلام على الأموال ؛ لأنها سببٌ في وجوبه، والوصول إليه في الغالب.
١٩٠
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٨٧
قلت : أصل الإدلاء : إرسالُ الدَّلْو في الماء ليتوصل به إلى أخذ الماء من البئر، ثم أُطلق في كل ما يتوسل به إلى شيء، يقال : أدلَى بمالِه إلى الحكام، أي : دفعه رِشْوة، ليتوصل بذلك إلى أخذ أكثر منه، وهو المراد هنا، وفي القاموس : أدلى برَحمِه : توسَّل، وبحُجَّتِه : أحضرَها، وإليه بمالهِ : دفَعه. ومنه :﴿وتُدْلوا بها إلى الحكام﴾. هـ. و ﴿تدلوا﴾ معطوف على ﴿تأكلوا﴾، مَنْهِي عنهما معاً.


الصفحة التالية
Icon