فصاحب التلوين بين الزيادة والنقصان، إلى أن تطلع عليه شمس العرفان، فإذا طلعت شمس العرفان فليس بعدها زيادة ولا نقصان، وأنشدوا :
طَلَعَتْ شمسُ من أُحِبُّ بلَيْلٍ
واستضاءتْ فما تَلاها غُروبُ
إنَّ شَمْسَ النَّهارِ تَغْربُ بالليـ
ـل وشَمْسَ القُلوب لَيْسَتْ تَغيبُ
١٩٢
بخلاف صاحب التمكين ؛ فإنه أبدا في ضياء معرفته، متكنٌ في بُرج سعادته، لا يلحق شمسَه كسوف ولا حجابٌ، ولا يستر نورَها ظلمةٌ ولا سحاب، فلو طلب الحجاب لم يُجَبْ. قال بعض العارفين :(لو كُلتُ أنْ أَرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده).
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٩٢
ثم حذَّر الحق تعالى مما اتبدعه المشركون في الحج، فقال :
﴿... وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾
قلت : كانت الأنصار إذا حَجُّوا أو اعتمروا، يقولون : لا يَحُول بيننا وبين السماء سَقْفٌ، حتى يدخلوا بيوتهم، فإذا رجعوا تسوَّرُوا الجُدْران، أو نَقَبُوا في ظهور بيوتهم، فجاء رجالٌ منهم فدخل من الباب، فَعُيِّر بذلك، فأنزل الحقّ جلّ جلاله :﴿وليس البر﴾ أي : الطاعة، ﴿بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ فتتسوروها، أو تنقُبوا من أعلاها، ﴿ولكن البر من اتقى﴾ المحارم وخالف الشهوات. أو : ليس البر بأن تعكسوا مسائلكم بأن تسألوا عما لا نفع لكم فيه، وتتركوا مسائل العلم التي تنفعكم في العاجل والآجل. ﴿ولكن البر من اتقى﴾ ذلك، ﴿وأتوا﴾ بيوت العلم من أبوابها، فتُحسنون السؤال وتتأدبون في المقال، وتقدمون الأهم فالأهم، والأنفع فالأنفع. ﴿واتقوا الله﴾ فلا تُغيروا أحكامه، ولا تعترضوا على أفعاله ﴿لعلكم تفلحون﴾ بتوفيقه وهدايته.