جزء : ١ رقم الصفحة : ١٩٤
فإن جَنَحَتْ نفسُك إلى حرمة الطاعة الظاهرة ؛ كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية ؛ وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرِجْها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذَّرَّةَ من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح.
فمَن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول : جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم هـ. أي : اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضاً يقول :(جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم). هـ. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. ﴿وأحسنوا﴾ أي : ادخلوا في مقام الإحسان ؛ بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ أي : يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه.
١٩٦
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٩٤
﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىا يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ...﴾
قلت : المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي : بالمرض، وحصر الثلاثي : بالعدو، وقيل : بالعكس، وقيل : هما سواء. و ﴿ما استيسر﴾ : خبر أو مبتدأ، أي : فالواجب ما استيسر، أو : فعليه ما استيسر.