وهذا الهَدْي أو الصيام إنما يجب على المتمتع ؛ إذا لم يكن ساكناً بأهله في مكة أو ذي طَوى، وأما مَن كان ﴿أهلُه حاضري المسجد الحرام﴾ فلا هَدى عليه ؛ لأنه يُحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين، ﴿واتقوا الله﴾ في امتثال أوامره، وخصوصاً مناسك الحج ؛ لكثرتها وتشعب فروعها، ولذلك أُفردت بالتأليف، ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ لمن ترك أوامرَه وارتكب نواهيه، وبالله التوفيق.
الإشارة : يقول الحقّ جلّ جلاله على طريق الإشارة للمتوجهين إليه : فإذا أمنتُمْ من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا، أو أمِنْتُم من الرجوع بعد الوصال، أو من السلب بعد العطاء، وذلك بعد التمكين من شهود أسرار الذات، وأنوار الصفات، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع، فإذا حصل لكم الأَمْن، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من الهدي والسمت الحسَن والخلُق الحَسن ؛ لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدَّر لتربية الرجال، فمن لم يجد ذلك فلرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن من ذلك الهَدْي الحسن والخلق الحسن، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية، وأما مَن كان مقيماً بها، عاكفاً في شهود أنوارها، فلا كلام عليه، لأنه قد تولاّه مولاه، وغيَّبَه عن شهود نفسه وهواه، فَأمْرُه كله بالله وإلى الله. جعلنا الله فيهم
١٩٨
بمنِّه وكرمه، لكن لا يغفُل عن التقوى ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام :" أنا أعرفُكُم بالله، وأنا أتقاكم له " وقالوا :" من علامة النهايات الرجوعُ إلى البدايات ". والله تعالى أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٩٧


الصفحة التالية
Icon