قلت :﴿أن تبتغوا﴾ : على إسقاط حرف الجر، أيْ : في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية : أن عُكاظاً ومَجَنّة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقاً في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّمُوا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله :﴿ليس عليكم جناح﴾ أي : إثم أو ميل عن الصواب، في ﴿أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ أي : عطاء ورزقاً تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلَصَتْ نيتكم، وغلب قصدُ الحج على التجارة.
وها هنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها : أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصاً فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث ؛ فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله،
٢٠٠
وإن كان باعث التقرب أغلب، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه.
ثم قال : ويشهد لهذا إجماعُ الأمة على أن مَنْ خرج حاجّاً ومعه تجارة صحَّ حجه وأُثيب عليه. ثم قال : والصواب أنْ يقال : مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي، وكان غرضُ التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طُرِّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني : يُنْظر لغالب الباعث وخُلوص القصد، وكذلك الصوم للحِمْية والثواب، ينظر لغالب الباعث.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٠
قلت : وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم.


الصفحة التالية
Icon