وذلك أن النبيّ ﷺ بعث سريةً وأمَّر عيلها عبد الله بنَ جَحْش في آخر جُمَادى الآخِرَةِ، فَلَقُوا عمرو بن الحضرمي، مع أناس من قريش، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة، فرموا عمراً فقتلوه، وأخذواو الغنيمة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام :" لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام " فندموا، وبعثت قريش بالعتاب للنبيّ ﷺ : كيف تستحل القتال في الشهر الحرام ؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى :﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾
٢١٤
[التّوبَة : ٣٦].
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٤
ثم قال الحقّ جلّ جلاله في التحذير من الكفار :﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾، لكن لا يطيقون ذلك، ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه﴾ ويستمر عليه حتى يموت ﴿وهو كافر فأولئك حَبِطَتْ أعمالهُم في الدنيا﴾ فلا حرمة له، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة، وفي ﴿الآخرة﴾ فلا يرى لها ثواباً، ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
ومفهوم الآية : أنه إن رجع قبل الموت لا يحبَط عملُه، وهو قول الشافعي. وقال مالك : يحبط أجر كل ما عمل، ويعيد الحج، إن تقدم على الردة، ويقبل منه الإسلام إن رجع، فإنْ لم يرجع أمهل ثلاثة أيام، ثم يقتل.
ولمّا نزلت الآية في إسقاط الحرج، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد، فأنزل الحقّ جلّ جلاله :﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله﴾ أي ثوابه، ﴿والله غفور﴾ لهم ﴿رحيم﴾ بهم، فلا يضيع جهادهم في هذه السرِيَّة، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد، وعبَّر بالرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب للثواب، وإنما هو عبودية، والأمر بيد الله ؛ إن شاء أثاب وإن شاء عاقب، ﴿لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبيَاء : ٢٣].