الإشارة : إذا سُئلت - أيها العارف - عن النفس في حال جنابتها بالغفلة، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا، فقل : هي أذى، أي : قذر ونجس، من قَرُب منها لطَّخته بنجاستها، فلا يحل القرب منه، أو الصحبة معها، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد، ورفع الهمة عنها، فإذا تطهرت فاتها، وردها إلى حضرة مولاها، كما أمرك الله، ﴿إن الله يحب التوابين﴾، وقد تابت ورجعت إلى مولاها، ﴿ويحب المتطهرين﴾، وقد تطهرت من جنابة الغفلة، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة، فصارت لك أرضاً لزراعة حقوق العبودية، ومَنْبَتا لبذر شهود عظمة الربوبية، فأتوا حرثكم - أيها العارفون - أنى شئتم، أي : ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم، وفي أي وقت شئتم.
فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة.
والحاصل : بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى :﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِنَّ لَهُمْ فِى الأَرْضِ﴾ [القصص : ٥، ٦]. فإذا تركتها هَمَلاً، أنبتت لك الشوك والحنظل، ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا
٢٢٣
الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين.
ولما تكلم الحقّ جلّ جلاله على بعض أحكام النكاح، أراد أن يتكلم على الإيلاء، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها، وقدّم على ذلك النهي عن كثرة الحلف ؛ لأنه هو السبب في الوقوع في الإيلاء.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٢


الصفحة التالية
Icon