﴿فشربوا منه﴾ أي : كَرعُوا، وسقطوا على وجوههم، ﴿إلا قليلاً منهم﴾ ثلاثُمائةٍ وأربعةَ عشر، على عدد أهل بدر، وقيل : ألفاً. رُوِيَ أن من اقتصر على الغَرفة كَفَتْه لشربه ودوابه، ومن لم يقتصر غلب عطشُه، واسودَّتْ شفتُه ولم يقدْر أن يمضيَ. وعن ابن عباس : أن القومَ شربوا على قدر يقينهم : فالكفار شربوا شُربَ الهيم، وشَرِب العاصي دون ذلك، وانصرف من القوم ستةٌ وسبعون ألفاً، وبقي بعضُ المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغَرفة، فأما من شرب فاشتد به العطشُ وسقط، وأما من ترك الماءَ فحسن حالُه، وكان أجلَد ممن أخذ الغرفة. هـ.
وحكمة هذ الامتحان : ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم، فلما جاوز النهرَ طالوتُ ومن بقيَ معه ممن لم يشربْ قال بعضهم لبعض :﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ ؛ لكثرتهم وقلة عددنا، ﴿قال الذين يظنون﴾ أي : يَتَيَقَّنْون ﴿أنهم ملاقوا الله﴾ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة : لا تفزعوا من كثرة عددهم ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ وإرادته ومعونته، و ﴿كم﴾ للتكثير، ﴿والله مع الصابرين﴾ بالنصر والمعونة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٤
الإشارة : قال بعض الحكماء : الدنيا كنهر طالوت، لا ينجو منها إلا من لم يشربْ أو اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كَفَتْه، ونَشَطَ لعبادة مولاه، ومن أخذ فوق الحاجة حُبس في سجنها، وكان أسيراً في يدها.
وقال بعضهم : طالبُ الدنيا كشارب ماءِ البحر، كلما زاد شربه ازداد عطشه. هـ. وقال ﷺ :" من أُشرب قلبه حُبَ الدنيا التاط منها بثلاث : بشغل لا ينفد عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك مداه " وقال عيسى عليه السلام : الدنيا مزرعة لإبليس، وأهلها حراث له هـ. وقال عليّ رضي الله عنه : الدنيا كالحية : لَيِّن مسها، قاتل سمها،
٢٤٥


الصفحة التالية
Icon