وذلك أن عزيراً ذهب ليخترف لأهله فجعل على حماره سَلة عنب وجَرَّة عصير. فلما مرَّ بتلك القرية ربط حماره، وجعل يتعجب من خرابها وخلائها بعد عمارتها، فقال في نفسه ما قال، فلطف الله به، وأراه كيفية الأحياء عياناً، فأماته مائة عام، حتى بليت عظام حماره وبقي العصير والعنب كأنه حين جنى وعصر فقال له جلّ جلاله :﴿فانظر إلى طعامك﴾ وهو العنب، ﴿وشرابك﴾ وهو العصير، ﴿لم يتسنه﴾، أي : لم يتغير بمرور الزمان وطول المدة، ﴿وانظر إلى حمارك﴾ كيف تفرقت أوصاله، وبليت عظامه، فعلنا ذلك بك لتشاهد قدرتنا، ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ بعدك، ﴿وانظر إلى العظام﴾ أي : عظام حمارك، ﴿كيف ننشرها﴾، أي : نحييها، من نَشَرَ الله الموتى : أحياها. أو :﴿كيف ننشزها﴾ بالزاي - أي : نرفع بعضها، ونركبه عليه، ﴿ثم نكسوها لحماً﴾. فنظر إلى العظام، فقام كلُّ عَظْم إلى موضعه، ثم كسى لحماً وجلداً، وجعل ينهق، ﴿فلما تبين له﴾ ما كان استغربه وأُشكل عليه ﴿قال أعلمُ﴾ عليم اليقين ﴿أن الله على كل شيء قدير﴾، أو فلما تبين له الحق، وهو قدرته تعالى على كل شيء، قال لنفسه :﴿أعلمُ أن الله على كل شيء قدير﴾.
رُوِيَ أنه أتى قومه على حماره، وقال أنا عزير، فكذبوه، فقرأ التوراة من حفظه، ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك، وقالوا : هو ابن الله - تعالى عن قولهم - وقيل : لما رجع إلى منزله - وكان شاباً - وجد أولاده شيوخاً، فإذا حدَّثهم بحديث قالوا : حديث مائة سنة. والله تعالى أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٨


الصفحة التالية
Icon