قال في القوت : وكان بعض الفضلاء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم، فقيل له في ذلك، فقال : لأن هؤلاء هممهم الله عزّ وجلّ، فإذا ظهر منهم فاقة تَشَتَّتَ قلبُ أحدِهم، فلأنْ أرد هِمة واحدٍ إلى الله أحب إليّ من أن أعطي ألفاً من غيرهم ممن همه الدنيا. فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد، فقال : هذا كلام ولي من أولياء الله. ثم قال : ما سمعت كلاماً أحسنَ من هذا. وبلغني أن هذا الرجل اقتر حاله في أمر الدنيا حتى همّ بترك الحانوت ؛ فبعث إليه الجنيد بمال كان صرف إليه، وقال له : اجعل هذا في بضاعتك، ولا تترك الحانوت فإنَّ التجارة لا تضرُّ مثلك. ويقال : إن هذا لم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه. هـ.
وكان عبد الله بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم، ويقول : إني لا أعرف بعد النبوة أفضل من العلماء، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم يتفرغ للعلم، ولا
٢٧٣
يقبل على تعليم الناس، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا ؛ لأفرغهم للعلم، فهو أفضل. هـ. والله تعالى أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧٢
قلت : الموصول مبتدأ، و ﴿فلهم أجرهم﴾ : خبر، والفاء للسببية، ولأن في الموصول معنى الشرط، وقيل : الخبر محذوف، أي : ومنهم الذين ينفقون الخ : و ﴿فلهم﴾ : استئناف بياني.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية﴾، ويعمرون أوقاتهم بفعل الخيرات، ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾ إذا قدموا عليه، ﴿ولا خوف عليهم﴾ من لُحوق مكروه، ﴿ولا هم يحزنون﴾ على فوات محبوب، بل وجدوا الله فأغناهم عن كل شيء.
قيل : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ؛ تصدَّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، وعشر بالعلانية، أو في عليّ - كرّم الله وجهه - لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً، ودرهم نهاراً، ودرهم سرّاً، ودرهم علانية. وهي عامة لمن فعل فعلهما.