يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ إيمان تحقيق وشهود ﴿والمؤمنون﴾ كل على قدر إيقان، ﴿كل﴾ واحد منهم ﴿آمن بالله﴾ على ما يليبق به من شهود وعيان، أو دليل وبرهان، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون ﴿لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التّحْريم : ٦]، ﴿وكتبه﴾ وأنها كلام الله، مشتملة على أمر وني ووعد ووعيد وقصص وأخبار، وما عرف منها ؛ كالتوراة والإنجيل والزبور
٢٨٣
والفرقان، وجب الإيمان به بعينه، وما لم يعرف وجب الإيمان به في الجملة، ﴿ورسله﴾ وأنهم بشر متصفون بالكمالات، منزّهون عن النقائص، كما يليق بحالهم، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ أو :﴿لا يفرق﴾ كل منهم بين أحد من رسله ؛ بأن يصدقوا بالبعض، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى، ﴿وقالوا﴾ أي المؤمنين ﴿سمعنا وأطعنا﴾ أي : سمعنا قولك وأطعنا أمرك، نطلب ﴿غفرانك﴾ يا ربنا ﴿وإليك المصير﴾ بالبعث والنشور، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٨٣
فلمّا تحقق إيمانُهم، وتيقن إذعانُهم، خفَّف الله عنهم بقوله :﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ أي : إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. أما المحال العادي فجائز التكليف به، وأما المحال العقلي فيمتنع. إذ لا يتصور وقوعه، وإذا كلف الله عباده بما يطيقونه، فكل نفس ﴿لها ما كسبت﴾ من الخير فتوفى أجره على التمام، ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ من الشر، فترى جزاءه، إلا أن يعفو ذو الجلال والإكرام.
وعبر في جانب الخير بالكسب، وفي جانب الشر بالاكتساب، تعليماً للأدب في نسبة الخير إلى الله، والشر إلى العبد، فتأمله.


الصفحة التالية
Icon