الإشارة : وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالاً، وذلك اعتناء بهم، ونصراً لهم على أنفسهم، فإن النصر كله ﴿من عند الله العزيز الحكيم﴾. وذلك ليقطع عنهم طرفاً من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب. ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ول
٣٦٩
ا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٦٨
قال القشيري : جرَّده - أي : نبيه ﷺ لما به عرفه عن كُلِّ غيْرٍ وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال : ويقال : أقامه في وقتٍ مقاماً ؛ رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال :﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال : ١٧]، وقال في وقت آخر :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عِمرَان : ١٢٨]. هـ.
يشير إلى أنهما مقامان : نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل : الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا : إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.


الصفحة التالية
Icon