بالقول، ﴿ذكروا الله﴾ أي : عاقبه وغضبه وعرضه الأكبر، أو ﴿ذكروا الله﴾ في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، أو كونه رقيباً عليهم، أو ﴿ذكروا الله﴾ باللسان ﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾ بالندم والتوبة، ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ أي : لا أحد يغفره إلا الله، والمراد : وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحث على الاستغفار.
﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ أي : لم يدوموا عليها غير مستغفرين، لقوله ﷺ :" ما أصَرَّ مَن اسْتَغفَر، ولو عَادَ في اليَوم سَبْعِينَ مَرَةً " وذلك إذا صحبه الندم، وقال أيضاً :" لا كَبِيرةَ مَعَ الاستغفَار، ولا صَغيرَةَ معَ الإصْرارِ " قال قتادة : إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قِدْماً في معاصي الله تعالى، لم يتوبوا حتى أتاهم. هـ. ﴿وهم يعلمون﴾ أن الإصرار يضر بهم، أو : وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنب ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام- :" مَنْ أَذْنَبَ ذنْباً، وعَلِمَ أَنَّ له ربّاً يَغْفُرِ الذنوب، غَفَرَ له وإِنْ لمْ يسْتَغفر " وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى :" من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرتُ له ولا أبالي " وفي بعض الكتب المنزلة :" يا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ ما دَعَوْتني ورَجَوْتني لأغفرن لَكَ على مَا كَانَ منكَ ولا أُبَالِي " أو :﴿وهم يعلمون﴾ أن التوبة تمحق الذنوب.
﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم﴾ ؛ تغطية لذوبهم، ﴿وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها، كما لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها، ثم مدح أجر التائبين فقال :﴿ونعم أجر العالمين﴾، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل اليمين، قال في الآية الأولى :﴿والله يحب المحسنين﴾ وقال في هذه الآية :﴿ونعم أجر العاملين﴾، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب، وأهل هذه يأخذون أجرهم من وراء الباب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى عين التحقيق.


الصفحة التالية
Icon