الإشارة : لا ينبغي للأقوياء من أهل اليقين أن يتشبهوا بضعفاء اليقين، كانوا علماء أو صالحين أو طالحين، حيث يقولون لإخوانهم إذا سافروا لأرض مخوفة أو بلد الوباء. لو جلسوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وما دَرَوْا أن الله قدَّر الآجال كما قدَّر الأرزاق وجميع الشؤون والأحوال، وعيَّن لها أوقاتاً محدودة في أزله، فكل مقدور يبرز في وقته، " ما من نَفَسٍ تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه "، فما قدَّره في سابق علمه لا بد أن يكون، وما لم يقدره لا يكون، ولا تجلبه حركة ولا سكون. ولله در القائل :
مَا لاَ يُقَدَّرُ لاَ يَكُونُ بِحِيلَةٍ
أَبَداً وَمَا هُوَ كائِنٌ سَيكُونُ
سَيَكُونُ ما هُوَ كائنٌ في وَقْتِهِ
وَأخُو الجَهَالَةِ مُتْعَبٌ مَحْزُونُ
يَجْرِي الحَريصُ ولا يَنَالُ بِحرْصِهِ
شَيْئاً ويَحْظَى عَاجِزٌ وَمَهِينٌ
فَدعَ الهُمُومَ، تَعَرَّ مِنْ أثْوابِهَا،
إنْ كانَ عِنْدَكَ بالْقَضَاءِ يَقِينُ
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٨٩
هَوِّنْ عَلَيْكَ وَكُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقاً
فَأخُوا الحَقِيقَةِ شَأنُه التَّهْوِينُ
٣٨٩
وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يتمثل بهذه الأبيات :
فَهَوَّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ
بكفِّ الإلَهِ مَقَادِيرُهَا
فَلَيْسَ يَأتِيكَ مَصْرُوفُهَا
ولا عَازِبٌ عَنْكَ مَقْدُورُها
وكل من لم يحقق الإيمان بالقدر لا ينفك عن الحسرة والكدر، ومن أراد النعيم المقيم فليثلج صدره ببرد الرضا والتسليم، ومن أراد الروح والريحان فعليه بجنات العرفان، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواءه الطريق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٨٩


الصفحة التالية
Icon