ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان}، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن ؛ قائلا :﴿أن آمنوا بربكم﴾ ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا﴾ الكبائر، ﴿وكفر عنا سيئاتنا﴾ الصغائر، ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾ المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يُحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم، ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على﴾ تصديق ﴿رسلك﴾ من الثواب، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وُعدوا على الامتثال، لا خوفاً من إخلاف الوعدن بل مخافة ألاَّ يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبداً، أو استكانة. قاله البيضاوي.
٤١٤
﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾ أي : لا تُهِنَّا بسبب تقصيرنا، ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾ بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير ﴿ربنا﴾ ؛ للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار :(من حزبه أمر فقال خمس مرات :" ربنا "، أنجاه الله مما يخاف). قاله البيضاوي.
الإشارة : قدَّم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يُؤمَر أول أَمرِهِ بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل :
مَا إنْ ذَكَرْتُكَ إلاَّ هَمَّ يَلْعَنُنِي
سِرِّي ورُوحِي وقَلْبي عِنْدَ ذِكرَاكَ
حَتَّى كَأنَّ رقيباً مِنكَ يَهْتِفُ بِي :
إيَّاكَ : وَيْحَكَ والتَّذْكَارَ! إيَّاكَ!
أمَا تَرَى الحَقَّ قَدْ لاحَتْ شَوَاهِدُهُ
وَوَاصَلَ الكُلَّ مِنْ مَعْنَاهُ مَعْنَاكَ
فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد، وصار ورداً واحداً، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه.


الصفحة التالية
Icon