وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت : كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت : كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول : طوبى لمن كان قيله ذكراً وصمته تفكراً، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه : من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو. هـ. وقال في الحكم :" ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ". وقال أيضاً :" الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ". وقال أيضاً :" الفكرة فكرتان ؛ فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ".
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤١٣
وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يُحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل ألف سنة، كما قال الشاعر :
كَلُّ وَقْتٍ مِنْ حَبِيبِي
قَدْرُهُ كَأَلفِ حَجّه
٤١٦
فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل :
هُم الرِّجَالُ وغَبْنٌ أنْ يُقَالَ لِمَنْ
لَمْ يَتَّصِفُ بمَعَاني وَصْفِهِمْ رَجُلُ
حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين.
وقوله :﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ بل هو ثابت بإثباتك، مَمْحُوٍّ بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول - عليه الصلاة والسلام. وقوله :﴿ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾ أي : كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلاً إلى مقام الإحسان، ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا﴾ وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤١٣