الإشارة : لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك - عليه الصلاة والسلام.
قال أنس رضي الله عنه : دَخلتُ علَى النبيّ ﷺ وهُو على سَرِير مرفل بالشريط - أي : مضفور به - وتحت رَأسِهِ وسَادَةٌ من أَدَم، حَشْوُهَا لِيفٌ، فدل عليه عمر، وانحرف النبيّ ﷺ انحرافة، فرأى عمر الشريط في جَنْبِهِ، فَبكَى، فقال له النبيّ ﷺ :" ما يُبْكِيكَ يا عمر " ؟ فقال : مَالِيَ لا أبْكِي وكِسْرى وقَيْصَرُ يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبيّ ﷺ :" يا عمر أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهُم الدُّنيا وَلَنا الآخرَةُ " رواه البخاري.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤١٨
وانظر ما أعدّ الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن، ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي : بيِّن الحق - تعالى - رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبْهم لطائف العناية بقوله :﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ أي : ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضاً : صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى : تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة، وذلك درجة الأولى من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. هـ.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤١٨