﴿قالوا يا أبانا استغفرْ لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة. ﴿قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾، أخره إلى السَّحَر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحرياً لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلّل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما رُوي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوبُ القبلة قائماً يدعو، ويوسفُ خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين،
٣٠٥
حتى نزل جبريل وقال : إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي.
الإشارة : اعلم أن الحق ـ جل جلاله ـ جعل للبشرية عَيْنَين حسيين : تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول : يسمى البصر، والثاني : البصيرة : فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمةُ الكفر، فتغطيهما معاً، وهو : عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيراً. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هبَّ عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجدُ والحالُ. وأنشدت بلسان المقال :
سُوَيْداء قََلْبِي أَصْبَحَت حَرماً لَكُم
تَطُوفُ بها الأسرارُ من عَالَم اللُّطف
وسائلُ ما بينَ المُحبِّين أَصْبَحَتْ
تَجِلُّ عن التَّعْرِيفِ والرَّسم والعُرْفِ
رَسَائِل جَاءَتْنا بِِرُؤْيَا جَنَابِكُمْ
عَوارِِفُ عُرف فَاقَ كُلَّ شّذا عَرف
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٤