رُوي أن يوسف عليه السلام طاف بأبيه ـ عليهما السلام ـ في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس، قال : يا بني، ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي على ثماني مراحل، قال : أمرني جبريل، قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أبسط مني، سله، فقال جبريل : أمرني ربي بذلك ؛ لقولك(إني أخاف أن يأكله الذئب)، فهلا خفتني. هـ. قاله البيضاوي : وزاد في القوت : لِمَ خفت عليه الذئب ولم ترجني ؟ ولِمَ نظرت إلى غفلة إخوته، ولم تنظر إلى حفظي له ؟ فهذا على معنى قول يوسف عليه السلام للساقي :(اذكرني عند ربك)، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفي سكونهم، ولمح نظرهم إلى ما سوى الله عز وجل. هـ.
الإشارة : ما أحلى الوصال، بعد الفراق، وما ألذ شهود الحبيب على الاشتياق، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصال، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر بالمأمول. فجدّ أيها العبد في طلب مولاك، وغبَ في سيرك إليه عن حظوظك وهواك، تظفر بالوصْل الدائم في عزك وعُلاك، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ومنُاك. وأنشدوا :
٣٠٨
وإنِ امْرُؤ أَمْسَى بِقُرْبِك نَازِلاً
فَأَهْلاً بِه، حَازَ الفَضَائِلَ كُلّها
وألبسته حُلْيَ المحاسِن فاكْتَسَى
حُلَلَ الرضَا فازْدَادَ قُرْبا ما انْتَهَى
وبالله التوفيق.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٦
قلت :(فاطر) : نعت المنادي، أو منادى بنفسه.
يقول الحق جل جلاله : حاكياً عن يوسف عليه السلام :﴿ربِّ قد آتيتني من المُلكِ﴾ أي : من بعض الملك، وهو ملك مصر، ﴿وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾ ؛ الكتب المتقدمة، أو تأويل الرؤيا. و " من " : للتبعيض فيهما ؛ إذ لم يعط ملك الدنيا كلها، ولا أحاط بالعلم كله. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرض﴾ : مبدعهما ومنشئهما، ﴿أنت وليي في الدنيا والآخرة﴾ : أنت ناصري ومتولي أمري في الدارين، ﴿توفني مسلماً﴾ : اقبضني ملسماً ؛ ﴿وألحقني بالصالحين﴾ من آبائي، أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة، أو بالصالحين لحضرة قدسك.