ثم قال تعالى :﴿أفلم يسيروا﴾ أي : كفار مكة، ﴿في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم﴾ من المكذبين لرسلهم : كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خراباً دارسة، فيحذروا تكذيبك، ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة ؛ ﴿ولَدَار الآخِرَةِ﴾ أي : ولدار الحياة الآخرة ﴿خير للذين اتقوا﴾ الشرك والمعاصي، ﴿أفلا تعقلون﴾، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير. أو : أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا
٣١٤
فانية، والدار الآخرة خير ؛ لأنها باقية.
فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم، وآذوهم، وتأخر نصرهم، ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ من النصر، أو من إيمان قومهم ؛ لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، ﴿وظنوا﴾ أي : تيقنوا ﴿أنهم قد كذبوا﴾ أي : أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو : ظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم ؛ لطول البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة (كُذِبُوا) ؛ بالتخفيف ؛ فمعناه : وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ هذه الرواية، وقالت : معاذ الله ؛ لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري.
وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظناً ؛ مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله :﴿ولقد همت به وهم بها﴾. وقال ابن جزي، على هذه القراءة : الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي : ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر.
فلما يئسوا ﴿جاءهم نصرنا فنُجَّي من نشاء﴾ نجاته : وهو : النبي والمؤمنون. وإنما لم يعينهم ؛ للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم، ﴿ولا يُردُّ بأسُنا عن القوم المجرمين﴾ إذا نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال : ولا نشاء نجاة المجرمين.