وقوله :﴿وليُنذروا به﴾ : عطف على محذوف، أي : ليُنصحوا به، ولينذروا به، أو متعلق بمحذوف، أي : ولينذروا به أنزلناه، ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد﴾ بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، أو المنبهة على ما يدل عليه. ﴿وليذَّكَّر﴾ أي : ليتعظ به ﴿أولو الألباب﴾ أي : القلوب الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه، فيرتدعوا عما يُرديهم، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتاب : تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. الإشارة : قد مكر أهلُ الغفلة بالأولياء، قديماً وحديثاً، واحتالوا على إطفاء نورهم، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم ؛ ﴿إن الله عزيز ذو انتقام﴾ فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسول والأشكال، فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات ؛ فتنقلب كلها نوراً مجموعاً ببحر الأنوار، وبمحيطات أفلاك الأسرار، فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور : ٣٥]. وبرزوا من سجن الأكوان لشهود الواحد القهار.
وقال الورتجبي : يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر، تبدل من هذه الأوصاف، وظلمة الخلقية، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها، وأنها صارت مَشْرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته، بوصف الجبارية والقهارية بقوله ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر : ٦٩] وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال العدم ؛ من استيلاء قهر أنوار القدم، قال :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص : ٨٨]. وقيل : فأين الأشياء إذ ذاك ؟ قال : عادت إلى مصادرها. وقال : متى كانوا شيئاً حتى صاروا لا شيء ؟ ! لأنهم أقل من البهاء في الهواء في جنب الحق. هـ.


الصفحة التالية
Icon